هانا تيتيه أمام مجلس الأمن: استمرار الانسداد السياسي والانقسام القضائي يهددان وحدة ليبيا

مريم أيمن عامر
قدّمت هانا تيتيه، الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في ليبيا، إحاطة شاملة أمام مجلس الأمن حول مستجدات الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية في ليبيا، محذّرة من أن استمرار الانقسام المؤسسي، ولا سيما داخل السلطة القضائية، يشكل “خطًا أحمر” قد يقوض وحدة الدولة وسلامة أراضيها.
وفي مستهل كلمتها، هنأت تيتيه الصائمين بحلول شهر رمضان المبارك، مؤكدة أن المشاورات التي أطلقتها البعثة الأممية في إطار خارطة الطريق شهدت عقد جولتين من الحوار المهيكل في طرابلس ضمن مسارات الاقتصاد والحوكمة والأمن والمصالحة الوطنية وحقوق الإنسان.
تقدم محدود في الحوار واستمرار الانسداد
وأوضحت أن المشاركين عبروا عن حاجة ملحة لكسر الجمود السياسي وإجراء إصلاحات هيكلية في الحكم والاقتصاد، مشيرة إلى أن مساري الحوكمة والأمن ركزا على تهيئة الظروف لإجراء انتخابات وطنية، بينما شدد المسار الاقتصادي على ضرورة ضبط الإنفاق العام وتنويع مصادر الدخل وتعزيز إدارة المالية العامة.
غير أنها أعربت عن أسفها لعدم إحراز تقدم حقيقي بين مجلس النواب والمجلس الأعلى للدولة بشأن تنفيذ أولى خطوات خارطة الطريق، لا سيما ما يتعلق بآلية اختيار مجلس إدارة المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، مؤكدة أن الإجراءات الأحادية من الطرفين زادت الوضع تعقيدًا وهددت وحدة المفوضية.
وقالت:“ليس بوسعنا الانتظار إلى ما لا نهاية. الحقائق تتحدث عن نفسها، ومع غياب الإرادة السياسية تتبدد الثقة في قدرة المؤسستين على إنجاز الاستحقاقات المطلوبة.”
وأشارت إلى أنها طرحت مقاربة بديلة تقوم على تشكيل مجموعة مصغرة تتولى إنجاز المهمتين الأساسيتين تمهيدًا للانتخابات، مع إمكانية توسيع المشاورات حال تعثر التوافق، داعية مجلس الأمن إلى دعم هذه الجهود.
انقسام قضائي ينذر بعواقب خطيرة
وسلطت تيتيه الضوء على ما وصفته بـ”التدهور الخطير” في وحدة السلطة القضائية، بعد إنشاء محكمة دستورية عليا في بنغازي بالتوازي مع الدائرة الدستورية للمحكمة العليا في طرابلس، ما أدى إلى صدور أحكام متضاربة وولايات قضائية متنافسة.
وأكدت أن استمرار هذا المسار سيؤدي إلى “أنظمة قانونية متوازية” تهدد وحدة النظام القضائي، قائلة:
“إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة للحفاظ على وحدة القضاء واستقلاله، فإن الانقسام القانوني سيقوض العملية السياسية ويضعف العدالة ويؤثر على الاقتصاد والانتخابات وحقوق الإنسان.”
ودعت القادة الليبيين إلى الامتناع عن الخطوات التصعيدية والتعاون مع لجنة الوساطة القضائية المستقلة، مطالبة مجلس الأمن بمحاسبة من يسهم في تقسيم مؤسسات العدالة.
تراجع اقتصادي وضغوط معيشية متصاعدة
اقتصاديًا، حذّرت المبعوثة الأممية من تفاقم الأوضاع المعيشية في ظل انخفاض قيمة الدينار الليبي وارتفاع الأسعار ونقص الوقود، مشيرة إلى أن مصرف ليبيا المركزي خفّض قيمة العملة بنسبة تقارب 14.7% في يناير الماضي.
كما لفتت إلى أن غياب ميزانية وطنية موحدة واستمرار الإنفاق غير المنسق وتراجع عائدات النفط أسهمت في اختلالات مالية وضغوط على الاحتياطيات الأجنبية. وأوضحت أن نحو 80% من الإنفاق العام يذهب للرواتب والدعم، ما يحد من فرص الاستثمار في التنمية.
وأشارت إلى أن 30% من الليبيين يعيشون تحت خط الفقر وفق تصريحات رسمية، مع توقعات بارتفاع المعدلات في ظل استمرار عدم الاستقرار السياسي، خاصة في المناطق المهمشة مثل الجنوب.
شبكات إجرامية وانتهاكات بحق المهاجرين
أمنيًا، قالت تيتيه إن الشبكات الإجرامية العابرة للحدود استفادت من تشظي مؤسسات الأمن وضعف الرقابة، محذرة من تحول ليبيا إلى مركز عبور رئيسي لتهريب المخدرات والاتجار بالبشر.
وتطرقت إلى تقارير أممية حديثة كشفت عن العثور على مقبرة جماعية تضم 21 مهاجرًا في أجدابيا، إضافة إلى تحرير مئات المهاجرين من مواقع احتجاز غير قانونية، داعية السلطات الليبية إلى تفكيك شبكات الاتجار ومحاسبة المسؤولين عنها.
كما أشارت إلى استمرار الاغتيالات المستهدفة، مطالبة بإجراء تحقيقات شفافة لضمان المساءلة.
دعوة لحل سياسي شامل
وفي ختام إحاطتها، شددت المبعوثة الأممية على أن تدهور الأوضاع الاقتصادية وتزايد الفقر، إلى جانب هشاشة الوضع الأمني والانقسام الحكومي، يخلق بيئة مقلقة قد تفرز تحديات سياسية وأمنية غير متوقعة.
وقالت: “السبيل الوحيد للمضي قدمًا هو التوصل إلى حل سياسي يجمع شمل الليبيين. إن دعم مجلس الأمن يظل شرطًا أساسيًا لإنجاح خارطة الطريق وتحقيق الاستقرار المنشود.”
وأكدت أن بعثة الأمم المتحدة تواصل إعادة هيكلة جهودها وتعزيز حضورها في مختلف المناطق الليبية، معربة عن أملها في تكامل الجهود الدولية لدعم مسار سياسي جامع يحفظ وحدة ليبيا ويحقق تطلعات شعبها.




