
علاء المفربى
صدر حديثًا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، ضمن إصدارات سلسلة الثقافة الشعبية، كتاب جديد بعنوان «الموروث الشعبي والرمزي لأيقونات القديسين» للباحثة سحر مراد سامي كامل، وهو عمل بحثي يسعى إلى قراءة التراث القبطي من منظور ثقافي وأنثروبولوجي معاصر، عبر تحليل الرموز والدلالات الكامنة في الأيقونات القبطية.
ينطلق الكتاب من فكرة مركزية مفادها أن الرمز يمثل أحد أهم أدوات التعبير الثقافي والروحي في حياة الإنسان، حيث يشير إلى معانٍ تتجاوز الدلالة المباشرة للأشياء. وفي هذا السياق تستحضر الباحثة مقولة الأديب الإيرلندي أوسكار وايلد التي يرى فيها أن «كل الفنون هي مطهِّر ورمز في الوقت نفسه»، في إشارة إلى الدور الروحي والجمالي للفن في التعبير عن التجربة الإنسانية.
وتستعرض الدراسة تعدد استخدامات مفهوم الرمز في العلوم الإنسانية، لافتة إلى ما يسببه هذا التعدد من اختلافات في التعريف والتفسير. كما تشير إلى آراء عدد من الباحثين الذين تناولوا الرمزية في الثقافة الإنسانية، مثل عالم النفس السويسري كارل يونج، الذي يرى أن اللغة الإنسانية، سواء كانت لفظًا أو صورة أو شكلًا مألوفًا، قد تحمل في طياتها معاني ودلالات أعمق من معناها المباشر، وهو ما يجعل الرمز وسيلة للتعبير عن المعاني الغامضة أو المستترة.
ويتوقف الكتاب عند جذور التعبير الرمزي في الحضارة المصرية القديمة، حيث استخدم الإنسان المصري الرموز للتعبير عن مفاهيم ومعانٍ يصعب التعبير عنها بصورة مباشرة. كما يوضح كيف تواصل هذا البعد الرمزي في الفن القبطي، الذي جمع بين الروح الدينية والبساطة الشعبية، ليشكل نمطًا فنيًا يعكس الهوية الثقافية والروحية للمجتمع القبطي في مصر.
وتعتمد الدراسة على المنهج الإثنوجرافي في تحليل الأيقونات القبطية، من خلال العمل الميداني في كنائس منطقة مصر القديمة، التي تضم عددًا من أقدم الكنائس والأيقونات الشعبية. وقد قامت الباحثة بزيارات ميدانية لتلك الكنائس، مع توثيق فوتوغرافي للأيقونات، وإجراء مقابلات مع بعض الكهنة وخدام الكنيسة ورواد الموالد، إلى جانب تحليل فني ولاهوتي لمحتوى الأيقونات المختارة.
ويركز الكتاب على دراسة الرموز المرتبطة بثلاث شخصيات محورية في الوعي الشعبي واللاهوتي القبطي، وهي السيدة العذراء، والقديس مارجرجس، والقديس مارمينا، حيث تحلل الدراسة الدلالات الرمزية المرتبطة بكل شخصية، وكيف انعكست هذه الرموز في الفن القبطي وفي الوجدان الشعبي.
ويخلص الكتاب في نهايته إلى أن الأيقونات القبطية لم تكن مجرد أعمال فنية زخرفية، بل شكلت عبر العصور جسرًا ثقافيًا وروحيًا يربط بين الماضي والحاضر، ويعكس استمرار حضور الرموز الدينية في الذاكرة الشعبية المصرية.




