وأد الأوائل ..ظاهرة خطيرة تهدد السلم الاجتماعي في زمن الجمهورية الجديدة


بقلم : حسن النحاس
نحن نعيش زمن الجمهورية الجديدة، زمن يفترض أن يكون عنوانه الكفاءة والتميز وتكافؤ الفرص، حيث لا مكان للمحسوبية ولا صوت يعلو فوق صوت العدل الاجتماعي. غير أن الواقع، في بعض مشاهده المؤلمة، يكشف عن ممارسات تعزف نشازًا ضد هذه المبادئ، وتهدد السلم الاجتماعي، وتزرع الإحباط في نفوس شباب وفتيات هم ثروة الوطن الحقيقية.

بالأمس القريب، شهدنا واقعة مؤسفة تمثلت في ظلم باحثة متميزة من محافظة سوهاج، حُرمت من حقها في التعيين كمعيدة، ليس لقصور في مستواها العلمي، بل لأنها «ابنة المؤذن». واليوم، يتجدد المشهد ذاته بصورة أكثر قسوة مع باحث وشاب متميز، يُقابل تفوقه العلمي بالتجاهل، بينما يُكافأ الأقل تقديرًا بالمجاملات، فقط لأنه مدعوم بعلاقات لا علاقة لها بالكفاءة أو الاستحقاق.
٨
محمود حسين توفيق نموذج صارخ لهذا الظلم. شاب وباحث متميز، الأول على دفعته طوال أربع سنوات دراسية، وحاصل على تقدير عام «امتياز مع مرتبة الشرف» من المعهد العالي للفنون الشعبية. مجلس القسم أوصى صراحة بتعيينه معيدًا بالتكليف، ومحضر المعهد أكد الحاجة الشديدة إليه نظرًا لتميزه الأكاديمي والبحثي والفني. ورغم ذلك، واجه تعنتًا غير مبرر من أكاديمية الفنون بالقاهرة، تم خلاله تجاوز اللوائح والقوانين، وتعيين من هم أقل منه تقديرًا، بل ومن معاهد وأقسام أخرى، في تحيز واضح لاعتبارات جغرافية وبلدية، في تحدٍ صريح لمبدأ العدالة وتكافؤ الفرص.

هذه الممارسات لا تسيء فقط إلى أفراد بعينهم، بل تضرب في صميم فكرة الجمهورية الجديدة التي نأمل أن تقوم على الحق والعدل الاجتماعي. فهؤلاء الشباب المتميزون ليسوا أرقامًا عابرة، بل طاقة وطنية حقيقية، وكنز بشري لا يجوز التفريط فيه. ذنبهم الوحيد أنهم أبناء بسطاء الشعب، لا يملكون سندًا سوى علمهم وتفوقهم وإبداعهم.
إن استمرار التعيين بالأهواء والمجاملات الشخصية، في مخالفة واضحة للوائح والقوانين، يمثل خطرًا حقيقيًا على السلم الاجتماعي، ويبعث برسالة إحباط قاتلة لكل شاب وفتاة يجتهدون ويؤمنون بأن التفوق هو طريقهم المشروع للمستقبل. رسالة مفادها أن الجهد لا يكفي، وأن العدالة قد تُهزم أمام النفوذ.
إلى السادة المسؤولين في رئاسة الجمهورية، نضع هذه الوقائع أمام ضمائركم، ونحن نأمل فيكم الخير، وفي تدخل يعيد الحق إلى أصحابه، ويؤكد أن الجمهورية الجديدة ليست شعارًا، بل ممارسة حقيقية تحمي المتميزين، وتنصف أبناء هذا الوطن دون تمييز، حفاظًا على السلم الاجتماعي، وصونًا لمستقبل مصر.




