مقالات الرأي

المجزرة في خان يونس وارتباك المشهد السياسي العالمي

بقلم : محمد نصر  باحث في الشؤون الإقليمية والدولية

شهد العالم في الخامس والعشرين من أغسطس 2025 فاجعة جديدة حين قصفت القوات الإسرائيلية مستشفى ناصر في خان يونس ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن عشرين مدنياً بينهم خمسة صحفيين دوليين هذه الحادثة لم تكن مجرد رقم جديد في سجل الدم الفلسطيني بل مثلت نقطة تحول فارقة أعادت فتح ملفات قديمة حول حدود الشرعية الدولية وتوازن القوى ومستقبل القضية الفلسطينية على الساحة العالمية إذ لطالما كانت المنشآت الطبية والصحفيون خطوطاً حمراء حتى في أشد النزاعات دموية غير أن ما حدث في خان يونس يشير إلى أن هذه الخطوط لم تعد قائمة فاستهداف مستشفى يعالج الجرحى ويؤوي النازحين يعكس انزلاقاً خطيراً في قواعد الاشتباك

 

وعلى الرغم من اعتذار رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووصفه ما جرى بأنه حادث مؤسف إلا أن الاعتذار بدا محاولة سياسية لامتصاص الغضب الدولي أكثر من كونه تعبيراً عن ندم حقيقي ردود الفعل الدولية لم تتأخر إذ صدرت إدانات واسعة من حكومات ومنظمات حقوقية لكن الأهم كان التحرك الشعبي الواسع فقد خرج مئات الآلاف في أستراليا وحدها في تظاهرات ضخمة بينما شهدت أوروبا وأمريكا اللاتينية تحركات مشابهة هذه الاحتجاجات لا تعد مجرد رد فعل عاطفي بل مؤشر على تحول عميق في الرأي العام العالمي حيث لم تعد القضية الفلسطينية محصورة في أروقة السياسة التقليدية بل باتت جزءاً من وعي جماعي يرى أن استمرار الحرب يمثل تهديداً للقيم الإنسانية

 

وفي ظل هذا التصعيد تزداد المطالبات بالاعتراف الكامل بالدولة الفلسطينية كما ظهر في الدعوة اليونانية لطرح القضية في البرلمان وكما عبر العديد من النشطاء في أوروبا وأمريكا هذا التوجه يكتسب زخماً جديداً مع كل ضربة موجهة للمدنيين وقد يكون مقدمة لتحولات ملموسة في ميزان الاعتراف الدولي بفلسطين وفي المقابل تستمر إسرائيل في تبرير عملياتها تحت شعار محاربة الإرهاب ما يجعل المفاوضات السياسية شبه مجمدة

 

بينما يدفع الفلسطينيون الثمن الأكبر والحدث لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي الأشمل فاستمرار القصف على غزة يعقد العلاقات الإسرائيلية مع عدد من الدول العربية التي دخلت في مسار التطبيع كما يضعف الموقف الأمريكي أمام قواعده الشعبية التي تزداد ميلاً لمعارضة الدعم غير المشروط لإسرائيل كذلك فإن استمرار الحرب يفتح الباب أمام قوى أخرى مثل إيران وتركيا لتعزيز نفوذها عبر خطاب داعم للقضية الفلسطينية وهو ما يعيد رسم توازنات المنطقة والمشهد الراهن يبرز عدة سيناريوهات محتملة أولها تدخل دولي أقوى يقود إلى هدنة طويلة أو حتى مفاوضات سياسية خصوصاً إذا استمرت الضغوط الشعبية على الحكومات الغربية وثانيها استمرار الحرب بوتيرة أعنف مع ارتفاع فاتورة الدماء الفلسطينية في ظل غياب إرادة سياسية حقيقية لوقف النزيف وثالثها بروز مبادرات بديلة تقودها قوى إقليمية غير غربية ما قد يعيد تشكيل مسار التسوية بعيداً عن الهيمنة الأمريكية

 

وما جرى في غزة ليس مجرد قصف عابر بل محطة سياسية كبرى تعيد طرح أسئلة جوهرية ما جدوى القانون الدولي إن لم يحم المستشفيات والصحفيين ما قيمة الشرعية الأممية إن لم تستطع فرض حماية للمدنيين والأهم هل يكون دم الفلسطينيين هو الثمن الدائم لتوازنات القوى العالمية إن قراءة هذه التطورات في ضوء التاريخ القريب تجعلنا ندرك أن ما وقع في مستشفى ناصر حلقة جديدة في سلسلة طويلة تمتد من حرب الرصاص المصبوب 2008 مروراً بمجازر الشجاعية وخزاعة في 2014 وقصف برج الجلاء الإعلامي في 2021 وانفجار مستشفى الأهلي في 2023 وحصار مجمع ناصر الطبي في 2024

 

كل هذه الأحداث توضح أن المنشآت الطبية والإعلامية والمدنيين ظلوا في قلب دائرة الاستهداف سواء عبر القصف المباشر أو الحصار أو إسكات الصوت الإعلامي وأن تكرار هذه الوقائع يضع مصداقية القانون الدولي والشرعية الأممية أمام اختبار حقيقي ويؤكد أن القضية الفلسطينية لم تعد مجرد نزاع إقليمي بل صارت رمزاً عالمياً للصراع بين القوة والعدالة بين القانون والهيمنة وبين صمود شعب أعزل وإرادة دولية عاجزة في الختام تبقى مأساة مستشفى ناصر أكثر من مجرد حادثة عابرة في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي فهي تعكس هشاشة القوانين الدولية أمام ضغوط الحرب واستهداف المدنيين والفضاء الإعلامي

 

كما أنها تكشف مدى حاجة المجتمع الدولي إلى اتخاذ إجراءات فعلية لحماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية وتفعيل رقابة حقيقية على العمليات العسكرية في غزة وفي الوقت نفسه تؤكد هذه الأحداث أن التضامن الشعبي العالمي والتحركات المدنية لهما دور متزايد في فرض ضغط دبلوماسي قد يسهم في إعادة ترتيب المشهد السياسي الإقليمي والدولي لذلك فإن ما يجري في غزة ليس قضية محلية فحسب بل اختبار عالمي لقيم العدالة والإنسانية وقدرة المجتمع الدولي على حماية الأبرياء ومنع تكرار المأساة مرة أخرى.

 

زر الذهاب إلى الأعلى