عرب وعالم

بلغاريا بين التحولات السياسية وتعزيز الشراكة مع مصر

أحمد محمود 

تشهد بلغاريا في المرحلة الراهنة حالة من التحولات السياسية المتسارعة، في ظل أزمة عدم استقرار ممتدة انعكست في تنظيم سبعة استحقاقات نيابية خلال أربع سنوات فقط، ما جعل المشهد السياسي البلغاري محل نقاش واسع على المستويين الأكاديمي والدبلوماسي. وفي خضم هذه الأوضاع، برزت العلاقات الاقتصادية المتنامية مع الدولة المصرية، مدفوعة بزيادة ملحوظة في حجم التبادل التجاري بين البلدين.

جاء ذلك خلال الندوة التي نظمها مركز الحوار للدراسات السياسية والإعلامية تحت عنوان «بلغاريا… أزمة سياسية مستمرة»، والتي قدمت خلالها الباحثة نورهان أبو الفتوح ورقة عمل بعنوان «تحولات المشهد السياسي في بلغاريا: تحديات الاستقرار وآفاق المستقبل»، فيما عقب عليها السفير خالد عمارة، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية وسفير مصر الأسبق لدى بلغاريا، وافتتح أعمال الندوة اللواء حمدي لبيب، رئيس مؤسسة الحوار.

وأكد اللواء حمدي لبيب في كلمته الافتتاحية أن الأزمة التي يعاني منها النظام السياسي البلغاري هي أزمة بنيوية عميقة، تتطلب توحيد الجهود الوطنية لتجاوز حالة الانقسام المجتمعي، مشيرًا إلى أن هذه الأزمة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج تراكمات وأزمات معقدة ومتشابكة. وشدد على أهمية رفع وعي الشباب بطبيعة المخاطر المحيطة بالدولة، ودورهم في الحفاظ على الاستقرار السياسي والمجتمعي.

واستعرضت ورقة العمل الرئيسية جذور الأزمة البلغارية وأبعادها المختلفة، سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا، كما تناولت تداعياتها على بنية الدولة ومستقبل النظام السياسي. وفي ختام الورقة، طرحت الباحثة ثلاثة سيناريوهات محتملة لمآلات الأوضاع السياسية عقب التغيير الحكومي الأخير، تمثلت في: تشكيل حكومة ائتلافية قادرة على إدارة المرحلة، أو العودة إلى انتخابات مبكرة، أو الدخول في حالة من الانسداد السياسي التي قد تدفع البلاد إلى أفق مظلم.

وفي تعقيبه، أوضح السفير خالد عمارة أن بلغاريا مرت بتجارب مشابهة لتلك التي شهدتها دول أوروبا الشرقية عقب التحول من النظام الشيوعي إلى النظام الرأسمالي أو الليبرالي بعد تفكك المنظومة الاشتراكية، وهو ما أدى آنذاك إلى موجات هجرة واسعة بين أبناء الشعب البلغاري. وأضاف أنه رغم ما تمتلكه بلغاريا من موارد طبيعية وثروات وقدرات صناعية وخبرات علمية وعملية، فإنها عانت من أوضاع اقتصادية صعبة دفعتها للبحث عن الاندماج في المنظومة الأوروبية، وهو المسار الذي بدأ فعليًا مع انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي عامي 2007/2008، إلا أن اندماجها لم يكتمل بالصورة المنشودة، نتيجة عدم التكيف الكامل مع آليات العمل الأوروبي.

وأشار السفير عمارة إلى أن هذه التحديات أسهمت في تراجع عدد السكان ليصل إلى نحو 6.8 مليون نسمة، بعدما كان يقارب 10 ملايين نسمة في فترات سابقة. وعلى صعيد الأزمة السياسية، شدد على أهمية البحث عن بنية سياسية جديدة تتواءم مع التحولات الراهنة، معتبرًا أن النظام البرلماني ربما فقد بريقه لدى قطاعات واسعة من المواطنين، ما يستدعي التفكير في بدائل أو تطوير النظام القائم، سواء عبر التحول إلى نظام رئاسي أو شبه رئاسي، أو إدخال إصلاحات جوهرية على النظام البرلماني تجعله أكثر قدرة على التفاعل مع صعود أجيال جديدة تحمل طموحات وتطلعات مغايرة.

وفيما يتعلق بالعلاقات المصرية–البلغارية، أكد السفير عمارة عمق الروابط التاريخية التي تجمع البلدين منذ استقلال بلغاريا، بل وامتدادها إلى مراحل أقدم حينما كانا جزءًا من كيان سياسي واحد. وأبرز أهمية تعزيز هذه العلاقات في ضوء الاتفاقيات الموقعة بين الجانبين، لا سيما في مجالات البحث العلمي والتعاون الأكاديمي وتبادل الخبرات، إلى جانب النمو المتواصل في حجم التبادل التجاري.

وشهدت الندوة عددًا من المداخلات المهمة، حيث تساءلت سماح علي، أستاذ الاقتصاد ورئيس وحدة الدراسات الاقتصادية بمركز الحوار، عن مدى تأثير الأوضاع الاقتصادية في تفاقم الأزمة السياسية وتوقيت بداياتها.

من جانبه، أكد حسام البقيعي، مدير وحدة الدراسات الدولية بمركز «راع» للدراسات الاستراتيجية، أن للأزمة البلغارية أبعادًا تاريخية لا يمكن إغفالها، إذ إن الماضي يلقي بظلاله الثقيلة على الحاضر ويؤثر في مسارات المستقبل. كما تساءلت الدكتورة هبة سويلم، أستاذ السياحة، عن حجم التعاون المصري–البلغاري في مختلف المجالات، وبخاصة في القطاع السياحي.

وخلصت الندوة، التي أدارتها نادين مطر الباحثة بمركز الحوار، إلى أن مستقبل بلغاريا مرهون بقدرة النخب السياسية على تجاوز الحسابات الضيقة، وبناء توافقات واقعية تستجيب لمطالب الشارع، مع التأكيد على ضرورة حماية الأمن القومي للدولة، والتصدي لأي تدخلات خارجية قد تهدد الأمن والاستقرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى