الرئيسيةمقالات الرأي

محمد أبو طالب يكتب : الشارع يترك حياتنا رهينة للكلاب الضالة

 

في شوارعنا اليوم، حيث يفترض أن يكون المواطن في أمان، هناك كابوس حي يتجول بلا رادع ولا رقابة، كل خطوة خارج المنزل قد تكون مصيرية، كبار السن يحسبون خطواتهم بدقة خوفًا من أي تهديد محتمل، ذوو الإعاقة يعيشون الرعب في كل لحظة لأنهم لا يستطيعون الهروب بسرعة أو الدفاع عن أنفسهم، النساء لا يشعرن بالطمأنينة أثناء تنقلهن، الحوامل يراقبن كل حركة خوفًا على حياتهن وحياة أطفالهن، والأطفال لم يعودوا يلعبون بحرية كما كان في الماضي، كلهم أصبحوا رهائن الشارع الذي تحكمه الكلاب الضالة بلا أي خطة أو رقابة. وفاة مسن في بورسعيد ليست مجرد خبر حزين عابر، بل صرخة حقيقية تكشف حجم الفشل واللامبالاة التي تغرق مدننا منذ سنوات، وهي رسالة صارخة لكل مسؤول تجاهل أن حق المواطن في الأمان أصبح مهددًا بشكل مباشر وممنهج.

 

الرجل الذي فقد حياته لم يمت بسبب مرض نادر أو ظرف استثنائي، بل بسبب خطر يومي ومرئي أمام أعين الجميع دون تدخل، خطر أصبح جزءًا من حياتنا اليومية، ونحن نتعايش معه وكأنه أمر طبيعي حتى وصلنا إلى مرحلة لا يمكن التراجع عنها، حيث لم يعد المواطن يخشى الحفر المكسورة أو الأرصفة المهترئة فقط، بل يخشى الكائن الحي الذي يهدد حياته بشكل مباشر في أي وقت. اليوم، شوارع المدن الكبرى ليست مجرد مسارات للتنقل، بل مناطق خطرة تتحول إلى ساحات مواجهة محتملة في أي لحظة.

 

في الإسكندرية، القاهرة، الجيزة، بورسعيد، وفي أغلب مدن مصر، لا تحتاج إلى تقارير رسمية لتعرف حجم المشكلة، يكفي أن تخرج لترى الكلاب تتجمع في الشوارع الجانبية والرئيسية، أمام المدارس، بجوار المستشفيات، تحت الكباري وعلى الأرصفة، بعضها قد يبدو مسالمًا، لكن غالبية هذه الحيوانات جائعة وعدوانية ومصابة بالأمراض، والنتيجة شعور دائم بانعدام الأمان يختنق به كل من يتنقل في الشارع العام، شعور يجعل الحياة اليومية معركة مستمرة للبقاء على قيد الحياة.

 

هذه الأزمة لا تقتصر على كبار السن فقط، بل تمتد لتشمل ذوي الإعاقة الذين يواجهون الخطر يوميًا بدون أي وسيلة للدفاع عن أنفسهم، النساء اللواتي يواجهن خطرًا مضاعفًا أثناء تنقلهن، الحوامل اللواتي يعيش خطرًا مزدوجًا على حياتهن وحياة أطفالهن، والأطفال الذين فقدوا حريتهم في اللعب والتنقل. كل فئة من هذه الفئات تعيش الرعب كل يوم، والمجتمع بأسره يعيش حالة خوف مستمر بينما المسؤولون يقدمون بيانات مطمئنة بلا خطة فعلية، ويغلقون أعينهم عن واقع مأساوي ملموس.

 

الأرقام الرسمية مقلقة، فمئات الآلاف من حالات العقر تُسجل سنويًا، والكثير من المصابين يحتاجون إلى أمصال مضادة للسعار، وهي عملية مكلفة نفسيًا وماليًا، والبعض لا ينجو إذا تأخر العلاج، ومع ذلك لا توجد بيانات دقيقة توضح حجم المشكلة أو اتجاهها، ولا توجد خطط ملموسة لاحتواء الخطر. جذر الأزمة معروف للجميع، لكنه يُتجاهل: القمامة، أكوام المخلفات المنتشرة في الشوارع تحولت إلى موائد مفتوحة للكلاب، حاويات مكسورة أو غائبة، جمع غير منتظم للنفايات، ونبّاشون يضاعفون الفوضى، كل ذلك جعل الشارع ساحة مفتوحة للكلاب الضالة، وانتقل الخطر من مجرد احتمال إلى تهديد يومي مباشر لحياة الإنسان.

 

الحديث عن التعقيم وحده، مع بقاء القمامة في الشوارع، لا يقلل من المشكلة بل يضخمها، فالحل الحقيقي يحتاج إلى ضبط مصادر الغذاء، ونظام متكامل لإدارة الكلاب الضالة، وتطبيق برامج نظافة صارمة، وملاجئ حقيقية، ورصد مستمر، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير. لا يوجد في العالم نموذج ناجح للسيطرة على الكلاب الضالة دون إدارة كاملة للنظافة والتحصين، وكل محاولة لتجاهل هذا الواقع ستؤدي إلى مزيد من الكوارث.

 

الأزمة تمس حق الإنسان الأساسي في الحياة الآمنة، كبار السن، ذوي الإعاقة، النساء، الحوامل، والأطفال، كلهم معرضون للخطر يوميًا، وكل تأخير في تطبيق الحلول يعني حياة معرضة للخطر، ويجعل المواطنين يعيشون في رعب مستمر. الموت في الشارع لم يعد مجرد خبر مؤلم، بل أصبح مؤشرًا صارخًا على فشل متراكم منذ سنوات، وعلى غياب إرادة حقيقية للتغيير، وعلى مسؤولية كبيرة تقع على عاتق كل جهة حكومية محلية أو مركزية.

 

الاستمرار في الإهمال يعني استمرار المعاناة وتحويل المدن إلى مناطق غير صالحة للعيش بحرية، فالمواطن لم يعد يخرج إلا وهو يحسب خطواته، كل زاوية قد تحمل مفاجأة قاتلة، كل لحظة يمكن أن تصبح مأساة، الأطفال محرومون من اللعب، النساء محرومات من الطمأنينة، ذوي الإعاقة والمسنون يعيشون خوفًا مضاعفًا، والحوامل يواجهن تهديدًا مزدوجًا على حياتهن وحياة أطفالهن، كل هذه الفئات تعيش في ظل واقع مأساوي يفتقر إلى أي إدارة أو خطة عملية.

 

الحل الحقيقي يتطلب رؤية شاملة، تعاونًا بين كل الجهات المسؤولة، بين إدارة النظافة، الصحة، حماية الحيوان، والشرطة المحلية، لتطبيق برنامج متكامل يشمل نظافة مستمرة، جمع منتظم للقمامة، تعقيم الحيوانات الضالة، رصد دائم للمناطق الخطرة، إنشاء ملاجئ حقيقية، ومحاسبة المسؤولين عن أي تقصير. هذا ليس واجبًا أخلاقيًا فقط، بل ضرورة حياتية، لأن التأخير المستمر يعرض أرواح البشر للخطر المباشر، ويحول الحياة اليومية إلى كابوس مستمر.

 

الكلاب الضالة ليست السبب الحقيقي، بل هي صورة صارخة للفشل الإداري، للفساد، للتقصير، وللانفلات الكامل في إدارة المدن، دماء الأبرياء، المعاناة اليومية للأطفال، النساء، ذوي الإعاقة، والحوامل، كلها صرخات تطالب بالحل الآن وليس غدًا، لأن كل لحظة تأخير قد تكلف حياة أو تعرض أمان المواطنين للخطر. الحق في الأمان لم يعد ترفًا، بل أصبح ضرورة حياتية يجب أن يضمنها كل مسؤول وكل جهة معنية، لأن المجتمع لا يحتمل المزيد من التجاهل أو الانتظار.

 

اليوم، ليس الوقت لتقديم بيانات مطمئنة، بل لتطبيق خطة حقيقية، حاسمة، ملموسة، تضع حدًا للتهديد اليومي، تحفظ حياة المواطنين الأكثر ضعفًا، وتعيد للشارع شعور الأمان المفقود، المواطن لم يعد يثق بالكلام، لم يعد يستمع للتقارير الرسمية، يريد أفعالًا على الأرض، يريد شوارع آمنة، يريد أن تسير ابنته بأمان، أن يلعب طفله بحرية، أن تتحرك والدته أو جدته بلا رعب، أن يخرج ذوي الإعاقة ويعيش حياته الكاملة دون تهديد، أن تشعر الحامل بالأمان أثناء تنقلها، أن يعود الحق في الحياة الآمنة لكل فرد في المجتمع، وهذا ممكن إذا تحرك الجميع الآن دون تأجيل.

 

هذه الأزمة ليست مجرد مسألة كلاب ضالة، بل اختبار حقيقي لمقدرة الدولة والمجتمع على حماية المواطنين، على إدارة المدينة، على ربط الحق في الأمان بالنظافة والصحة العامة، على تطبيق برامج التعقيم والحصانة والملاجئ الفعلية، على محاسبة كل مقصر، كل يوم تأخير يعرض حياة المواطنين للخطر، وكل خطوة تأجيل تجعل الشارع ساحة موت محتملة، والمطلوب قرار صارم، خطة واضحة، تنفيذ حقيقي، وإرادة لا تلين لإنقاذ أرواح الناس واستعادة الأمان المفقود.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى