الرئيسيةمقالات الرأي

طراد الرويس يكتب : الأسرة العربية .. من الملاذ الآمن إلى الاغتراب الصامت

 

بقلم:
الكاتب والاعلامي

طراد علي بن سرحان الرويس

أصبحت العديد من الأسر في عالمنا اليوم تجلس على طاولة واحدة داخل منزلها، بيتنا قلوب أفرادها وعقولهم مشتتة في قارات بعيدة، وهو ما يجسد ظاهرة “الاغتراب المنزلي الصامت” التي بسببها تحولت فيها البيوت إلى جزر منعزلة، حيث نمت في ظلها بيئة خصبة للعبث السلوكي والأخلاقي نتيجة الشاشات التي تحولت إلى جدران عازلة داخل المنزل، فجعلت الأبناء ينهمكون في عوالم افتراضية تصيغ قيمّهم بعيداً عن الرقابة والتوجيه، ليجد الآباء أنفسهم عاجزين عن إيجاد لغة للحوار، فيلجؤون إما للشدة المنفرة أو للتراخي المطلق.

إن هذه الفجوة التي سكنها “التسيب السلوكي” و”الفوضى”، جعلت الأبناء يبحثون عن هويتهم في شاشات هواتفهم بدلاً من أحاديث آبائهم، ومن هنا تبدأ معركة صامتة بين جدران البيوت العربية هي معركة “الانتماء”، فبينما كانت الأسرة تاريخياً هي الحاضن الأول والملاذ الآمن، إلا أنها تواجه اليوم تحدياً غير مسبوق يتمثل في أزمة تواصل حادة جعلت المسافات بين أفراد البيت الواحد أبعد من قارات، حيث يبحث الشاب عن التقدير خارج أسوار منزله ليصبح فريسة سهلة للتيارات الهدامة.

إن القضية اليوم ليست في تواجدنا المادي تحت سقف واحد، بل في ذلك “الغياب الروحي” الذي جعل الحوارات الأسرية تقتصر على الاحتياجات المادية والأوامر الجافة، مما أفقد البيت جاذبيته كحضن عاطفي، فاستعادة تماسك الأسرة اليوم تتطلب ثورة في “ثقافة الإنصات” قبل “ثقافة الإملاء”، وذلك من خلال تفعيل الحوار النوعي عبر تخصيص وقت يومي خال من الأجهزة لتبادل الأفكار والمشاعر، والتركيز على منهج القدوة لا الواعظ.

فالمجتمع القوي لا يبنى من أفراد منعزلين، بل من بيوت دافئة تعرف كيف تحتضن أبناءها وتوجه طاقاتهم نحو البناء لا العبث، ولأن الأسرة هي اللبنة الأولى التي إذا استقامت استقام المجتمع، فإن الواقع يخبرنا أن الفراغ العاطفي الذي يتركه غياب الحوار الحقيقي يملأه الأبناء بصخب العالم الافتراضي، فحين يفقد الشاب الأمان النفسي في منزله يبحث عن الانتماء في مسارات قد تكون مدمرة.

هذا التحدي يحتم علينا ترميم ما أنكسر من خلال الاحتواء النفسي لجعل البيت ملاذاً لا سجناً، والاعتراف بأن المشكلة تكمن أحياناً في أسلوبنا التربوي المتأرجح بين التسلط الخانق أو التراخي المضيع للمسؤولية، مما يستوجب تبني الوسطية لنكون موجهين لا مجرد منتقدين، ونعيد لبيوتنا دفئها قبل أن يبتلعها الصمت والشتات في زحام الحياة الرقمية.

فالمعركة اليوم هي معركة وجود لحماية حصوننا الأخيرة وضمان استقرار أمننا الاجتماعي، لتبقى الأسرة هي الملاذ الذي نعود إليه لنرمم انكساراتنا، لا المكان الذي نهرب منه لنبحث عن ذواتنا في غياب الفضاء الإلكتروني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى