أمن وحوادث

«حكاية نرجس»… مأساة أمٍ لم تُنجب فاختطفت ثلاثة أطفال

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي 

لم يكن مسلسل حكاية نرجس مجرد عمل درامي عابر يُعرض في موسم رمضان، بل يستند إلى واحدة من أغرب القضايا الإنسانية التي شهدتها مصر في التسعينيات. قصة امرأة دفعتها رغبتها في الأمومة إلى ارتكاب جريمة خطف أطفال، لكنها في النهاية تركت خلفها لغزًا إنسانيًا مؤلمًا ما زال بلا إجابة حتى الآن.حلم الأمومة الذي تحول إلى جريمة

في ثمانينيات القرن الماضي، عاشت سيدة تُدعى عزيزة حياة تبدو عادية مع زوج يحبها بشدة، لكن هذا الحب لم يكن كافيًا لتهدئة الألم الذي كانت تشعر به بسبب عدم قدرتها على الإنجاب.

تحولت نظرات المجتمع وكلمات السخرية من بعض المحيطين بها إلى ضغط نفسي قاسٍ، خاصة في بيئة تعتبر الأمومة جزءًا أساسيًا من حياة المرأة. ومع تكرار محاولاتها للعثور على طفل تتبناه من دور الأيتام ورفض طلبها أكثر من مرة، بدأت فكرة خطيرة تتشكل في ذهنها.

خطة التمثيل… تسعة أشهر من الخداع

قررت عزيزة تنفيذ خطة غير مسبوقة. كانت تتظاهر بالحمل أمام الجميع لمدة تسعة أشهر كاملة، مستخدمة قطعًا من القماش لتكبير بطنها حتى يبدو الأمر طبيعيًا.

وقبل إعلان الولادة بيوم واحد، كانت تخطف طفلًا رضيعًا، ثم يخرج زوجها ليخبر الجميع بأن زوجته وضعت مولودها. بهذه الطريقة، تمكن الزوجان من خداع المجتمع المحيط بهما، بل وحتى تسجيل الأطفال رسميًا باسمهما دون أن يشك أحد في الحقيقة.

ثلاثة أطفال… وثلاث حكايات مختلفة

نفذت عزيزة خطتها ثلاث مرات، وأنجبت – كما ظن الناس – ثلاثة أطفال: إسلام، محمد، وهشام.

مرت السنوات بشكل طبيعي، وكبر الأطفال داخل هذا المنزل الذي ظنه الجميع أسرة حقيقية. لكن في عام 1992، كشفت الشرطة المصرية الحقيقة الصادمة، وتم القبض على عزيزة وزوجها بتهمة خطف الأطفال.

صدر الحكم بالسجن سبع سنوات لعزيزة وخمس سنوات لزوجها، لتبدأ بعدها رحلة البحث عن عائلات الأطفال الحقيقيين.

نهاية سعيدة لطفلين… وبداية مأساة لطفل ثالث

تمكنت الشرطة من العثور على عائلتي طفلين من الأطفال الثلاثة؛ أحدهما من الإسكندرية والآخر من العريش، وعادا بالفعل إلى أسرهما بعد سنوات من الفقد.لكن القصة لم تنتهِ بهذه السهولة بالنسبة للطفل الثالث، إسلام. فلم يظهر أي شخص يثبت أنه من عائلته، ليبقى مصيره مجهولًا.حياة في دار أيتام… وأسئلة بلا إجابة عاش إسلام فترة في دار للأيتام، قبل أن يظهر رجل وامرأة أكدا أن مواصفات الطفل تنطبق على ابن لهما مفقود. وبالفعل انتقل إسلام للعيش معهما، لكن الشعور بعدم الانتماء ظل يلاحقه.

مرت السنوات، حتى قررت الأسرة إجراء تحليل الحمض النووي بعد أكثر من عشرين عامًا، لتظهر الحقيقة الصادمة: إسلام ليس ابنهما.

رحلة البحث المستحيلة منذ تلك اللحظة بدأت رحلة طويلة من البحث عن الحقيقة. ظهر إسلام في العديد من البرامج التلفزيونية، وأجرى عشرات التحاليل في محاولة للوصول إلى عائلته الحقيقية.

لكن كل المحاولات باءت بالفشل، وبقي السؤال الكبير بلا إجابة: من هم والدا إسلام الحقيقيان؟

النهاية المأساوية… سر يُدفن مع صاحبته

في النهاية، حاول إسلام الوصول إلى عزيزة نفسها علّها تكشف له الحقيقة. ظل شهورًا يحاول إقناعها بالحديث، لكنها كانت مصرة على الصمت، وتؤكد دائمًا أنها أمه التي ربته.وقبل أن ينجح في معرفة أي شيء، وضعت عزيزة نهاية مأساوية للقصة حين ألقت بنفسها من شرفة منزلها، لتُدفن معها كل الأسرار.

لغز إنساني لم يُحل اليوم، وبعد مرور سنوات طويلة على تلك القضية، ما زال إسلام يبحث عن عائلته الحقيقية. قصة تحمل في داخلها مزيجًا من الألم والرغبة في الأمومة، لكنها تحولت إلى واحدة من أكثر القضايا الإنسانية غموضًا في الذاكرة المصرية.

ولهذا لم يكن غريبًا أن تتحول هذه الحكاية إلى عمل درامي مثل حكاية نرجس، الذي أعاد إحياء قصة حقيقية تركت خلفها سؤالًا مؤلمًا:هل يمكن أن تدفع رغبة الأمومة إنسانًا إلى حد خطف حياة كاملة؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى