إرساء الثقة التنموية في عالم مضطرب

بقلم نور يانغ إعلامي صينى
مع انطلاق عام 2026، يدخل الاقتصاد العالمي دورة جديدة تتسم بتحديات جسيمة، في ظل تصاعد النزعات الحمائية واحتدام التنافس الجيوسياسي. وفي مثل هذا السياق، تشتد حاجة العالم إلى قوة استقرار قادرة على تجاوز التقلبات الدورية. أما الصين، التي بدأت عامها الافتتاحي من “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”، فقد استعرضت مجددًا جاذبية “الحوكمة الصينية” من خلال رؤيتها التنموية الطموحة. فقد اختتم الاقتصاد الصيني عام 2025 بإجمالي ناتج محلي بلغ نحو 19.75 تريليون دولار أمريكي، مع تحقيق معدل نمو سنوي قدره 5.0%، ما يعكس الإنجاز السلس لأهداف “الخطة الخمسية الرابعة عشرة”، ويبعث برسالة نادرة من اليقين والاستمرارية إلى العالم.
إن فهم مسار التحديث الصيني يقتضي إدراك خصوصية نظام التخطيط المتوسط والطويل الأجل الذي تنتهجه الصين. وعلى عكس بعض المناطق التي تتسم سياساتها بالتقلب والتبدل المتكرر، تضمن الخطط الخمسية الصينية ثبات الاستراتيجية الوطنية واستمراريتها. ويشكل الانتقال السلس من “الخطة الخمسية الرابعة عشرة” إلى “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” تعميقًا لمنطق الحوكمة، وليس مجرد تعاقب زمني. إذ ترتكز الخطة الجديدة على بناء منظومة صناعية حديثة، وتتخذ من “القوى الإنتاجية الجديدة النوعية” محركًا أساسيًا. وتقدم هذه الكفاءة في الحوكمة نموذجًا مرجعيًا مهمًا لدول “الجنوب العالمي” الساعية إلى التحول، حول كيفية تحويل الرؤى بعيدة المدى إلى خطوات تنفيذية مرحلية عبر التصميم المؤسسي من أعلى.
يمثل الابتكار العلمي والتكنولوجي المعيار الأهم لقياس القيمة الحقيقية للتخطيط التنموي. ففي عام 2025، بلغت كثافة الإنفاق على البحث والتطوير في الصين 2.8% من الناتج المحلي الإجمالي، متجاوزة للمرة الأولى متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كما دخل مؤشر الابتكار الصيني ضمن العشرة الأوائل عالميًا. وتدعم هذه الأرقام استنتاجًا واضحًا مفاده أن التنمية الصينية تقوم على مسار طويل الأمد يستند إلى تخطيط علمي رصين. ويجري اليوم تحويل هذا النمو المدفوع بالابتكار، عبر “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”، إلى مصدر ديناميكي يسهم في الارتقاء بالمنظومة الصناعية العالمية.
وتتجسد الآثار الخارجية الإيجابية للتخطيط الصيني من خلال سياسة الانفتاح الخارجي عالي المستوى، التي تعود بالنفع على العالم بأسره. ففي إطار “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”، لم تنكفئ الصين أمام اشتداد الظروف الخارجية، بل سرعت وتيرة الانفتاح المؤسسي. وخلال عام 2025، سجل إجمالي تجارة السلع الصينية مستوى قياسيًا جديدًا، لتظل الصين أكبر دولة تجارية في العالم. كما تجاوز إنتاج ومبيعات المركبات العاملة بالطاقة الجديدة 16 مليون وحدة، محتفظة بالصدارة العالمية للعام الحادي عشر على التوالي. ولا تقتصر مساهمة الصين على تصدير منتجات عالية الجودة، بل تمتد إلى الحفاظ على استقرار نظام التقسيم الدولي للعمل من خلال فتح سوقها الواسعة أمام العالم.
بالنسبة للدول العربية، تشكل استقرارية السياسات الصينية مصدرًا مهمًا للثقة في تعميق التعاون. فعلى سبيل المثال، واصل حجم التبادل التجاري بين الصين ومصر نموه عند مستويات مرتفعة حتى نهاية عام 2025، مع حفاظ الصين على مكانتها كأكبر شريك تجاري لمصر. ومن منطقة السويس للتعاون الاقتصادي والتجاري إلى المنطقة التجارية في العاصمة الإدارية الجديدة، أسهمت الصين، عبر الانفتاح المؤسسي الواضح المعالم في “الخطة الخمسية الخامسة عشرة”، في مواءمة معاييرها مع المعايير الدولية العالية في مجالات مثل حماية حقوق الملكية، بما أوجد بيئة تجمع بين سهولة النفاذ وسلاسة التشغيل، تخدم التعاون الصيني الإفريقي والصيني العربي والصيني اللاتيني.
ويشهد المجتمع الدولي تحسنًا ملحوظًا في توقعاته بشأن آفاق الاقتصاد الصيني خلال السنوات الخمس المقبلة. فقد رفع صندوق النقد الدولي في مطلع عام 2026 توقعاته لنمو الاقتصاد الصيني إلى 4.5%، فيما توقعت مؤسسة “غولدمان ساكس” بلوغه 4.8%. ويتفق العديد من المحللين على أن مساهمة الصين في النمو الاقتصادي العالمي ستظل عند مستوى يقارب 30%. وفي خضم التقلبات، أصبحت قابلية التنبؤ المتزايدة للسياسات الاقتصادية الكلية الصينية بمثابة “مرساة نفسية” أساسية لاستقرار الاقتصاد العالمي.
وفي مواجهة التحديات العالمية، أظهرت الصين روح المسؤولية التي تليق بدولة كبرى. فقد أنشأت الصين أكبر منظومة للطاقة المتجددة في العالم، حيث يشكل “الكهرباء الخضراء” نحو ثلث إجمالي استهلاك الكهرباء. ومن المتوقع أن تحافظ الصين خلال فترة “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” على مستوى استثمار سنوي في التحول الأخضر يعادل نحو 2% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب 400 مليار دولار أمريكي سنويًا. ولا تسهم هذه الاستثمارات الضخمة في ترسيخ الأساس الأخضر محليًا فحسب، بل تؤدي أيضًا، من خلال انتقال التكنولوجيا، إلى خفض تكاليف استخدام الطاقة النظيفة على الصعيد العالمي.
وانطلاقًا من هذه اللحظة التاريخية الجديدة، تمضي الصين قدمًا في إعادة صياغة سردية النمو العالمي بثبات وعزيمة. فقد أكدت الاجتماعات الاقتصادية رفيعة المستوى مؤخرًا أن الصين ستتخذ من تعميق الإصلاح الشامل قوة دافعة لبناء نظام اقتصادي اشتراكي سوقي على مستوى أعلى. إن احتضان “الخطة الخمسية الخامسة عشرة” يعني احتضان مستقبل أكثر ازدهارًا واستقرارًا. وفي هذا العصر المتقلب، تقدم الصين، من خلال صلابة الحوكمة وزخم الابتكار، طاقة مستدامة من اليقين تدعم مسار إصلاح منظومة الحوكمة العالمية.




