اعترافات “الصياد” تكشف أخطر خيوط التحالفات الإرهابية وحروب الجيل الرابع ضد الدولة المصرية

كتبت:إيمان خالد خفاجي
في تطور لافت يكشف حجم التهديدات التي استهدفت الدولة المصرية خلال السنوات الماضية، فجّرت اعترافات الإرهابي القيادي علي محمود محمد عبد الونيس، المعروف بلقب “الصياد”، سلسلة من المفاجآت الخطيرة التي سلطت الضوء على طبيعة التحالفات الخفية بين التنظيمات الإرهابية. هذه الاعترافات، التي جاءت عقب سقوطه في قبضة الأجهزة الأمنية، لم تكن مجرد رواية لأحداث متفرقة، بل شكلت خريطة متكاملة توضح كيف جرى التخطيط لإدارة عمليات معقدة تستهدف زعزعة استقرار الدولة وتقويض مؤسساتها.
وكشفت التحقيقات أن أحد أبرز ملامح هذا المخطط تمثل في وجود تنسيق مباشر بين حركة “حسم” التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية، وتنظيم “المرابطون” الذي أسسه الإرهابي هشام عشماوي. هذا التنسيق لم يكن عابرًا أو محدودًا، بل جاء في إطار استراتيجية مدروسة هدفت إلى توحيد الجهود بين عناصر تمتلك خلفيات أيديولوجية مختلفة لكنها تلتقي عند هدف واحد، وهو تنفيذ عمليات عدائية واسعة النطاق داخل الأراضي المصرية.
وبحسب ما أدلى به “الصياد”، فقد لعب القيادي الإخواني الهارب يحيى موسى دورًا محوريًا في هذا التنسيق، حيث كان بمثابة حلقة الوصل التي ربطت بين عناصر التنظيمين. وأوضح أن موسى أبلغه بشكل مباشر بوجود اتصالات مع هشام عشماوي وقيادات بارزة داخل تنظيمه، من أجل إنشاء معسكر تدريبي مشترك في الصحراء الغربية، وهي المنطقة التي كانت تُخطط لتكون نقطة ارتكاز للعمليات الإرهابية.
ولم يكن هذا المعسكر مجرد موقع للتدريب التقليدي، بل كان جزءًا من مشروع أكبر لتحويل الصحراء الغربية إلى قاعدة انطلاق لعمليات نوعية تستهدف منشآت حيوية وشخصيات مهمة. وأشار “الصياد” إلى أن المخطط تضمن إعداد عناصر قادرة على تنفيذ عمليات معقدة باستخدام أسلحة متطورة، بما يعكس مستوى عالٍ من التنظيم والتخطيط.
ومن أخطر ما كشفته هذه الاعترافات، الحديث عن نية التنظيم استخدام صواريخ محمولة على الكتف، مثل “سام 7” و”سام 17”، في تنفيذ عمليات نوعية، كان من بينها مخطط لاستهداف الطائرة الرئاسية المصرية. وأوضح عبد الونيس أن يحيى موسى استفسر منه بشكل دقيق عن مدى خبرته في استخدام هذه الأسلحة، وهو ما يشير إلى وجود نية واضحة لتصعيد مستوى العمليات إلى مرحلة غير مسبوقة.
وأشار إلى أن خبراته التي اكتسبها خلال تدريباته في قطاع غزة جعلت منه عنصرًا مؤهلاً لتدريب آخرين على استخدام هذه الصواريخ، قبل أن يتم إبلاغه لاحقًا بأن عناصر تابعة لتنظيم عشماوي تمتلك بالفعل خبرات كافية في هذا المجال. ويعكس هذا التداخل بين الخبرات القتالية للتنظيمات المختلفة حجم الخطر الذي كان يهدد الأمن القومي، خاصة في ظل التعاون بين عناصر ذات كفاءة عالية في العمل المسلح.
لكن التهديد لم يكن مقتصرًا على الجانب العسكري فقط، إذ كشفت الاعترافات عن بُعد آخر أكثر تعقيدًا وخطورة، يتمثل في ما يُعرف بـ”حروب الجيل الرابع”، التي تعتمد على أدوات غير تقليدية لضرب استقرار الدول. وفي هذا السياق، تحدث “الصياد” عن دور ما يسمى بـ”لجنة الإعلام والتسريبات”، والتي كانت تمثل أحد أبرز أذرع الجماعة في تنفيذ مخططاتها.
وأوضح أن هذه اللجنة اعتمدت على إنشاء منصات إعلامية ومواقع إلكترونية تظهر في صورة مؤيدة للدولة، بهدف كسب ثقة المسؤولين والعاملين في المؤسسات المختلفة. ومن خلال هذا الغطاء، كان يتم جمع معلومات دقيقة حول طبيعة العمل داخل هذه المؤسسات، وكذلك بيانات العاملين بها، تمهيدًا لاستخدامها في عمليات ابتزاز أو حملات تضليل إعلامي.
وأضاف أن بعض الصحفيين أو المراسلين قد يتم استغلالهم دون إدراك كامل لطبيعة الدور الذي يؤدونه، حيث يقومون بجمع معلومات تبدو في ظاهرها عادية، لكنها تُستخدم لاحقًا ضمن منظومة أوسع تهدف إلى التأثير على الرأي العام. ويتم إرسال هذه المعلومات إلى جهات خارجية تتولى إعادة صياغتها وتوظيفها في حملات إعلامية منظمة تستهدف تشويه صورة الدولة وزعزعة الثقة في مؤسساتها.
ومن بين الأمثلة التي أشار إليها “الصياد”، منصة “جوار”، التي استخدمت ملف المحبوسين في قضايا إرهابية كوسيلة للضغط السياسي والإعلامي. وأكد أن الهدف الحقيقي لهذه المنصة لم يكن حقوقيًا كما تدّعي، بل كان جزءًا من استراتيجية تستهدف تشويه صورة الدولة المصرية على الساحة الدولية، واستغلال هذا الملف لتحقيق مكاسب سياسية.
وتبرز هذه الاعترافات كيف يمكن أن تتحول وسائل الإعلام والمنصات الرقمية إلى أدوات خطيرة في يد التنظيمات المتطرفة، حيث يتم توظيف الكلمة والصورة بشكل مدروس لخدمة أهداف تخريبية. كما تكشف عن مدى تعقيد التحديات التي تواجهها الدولة، والتي لم تعد تقتصر على المواجهات الأمنية التقليدية، بل امتدت إلى مجالات أكثر تشابكًا مثل الإعلام والتكنولوجيا.
وفي المقابل، تعكس هذه التطورات حجم الجهود التي بذلتها الأجهزة الأمنية المصرية في التصدي لهذه المخططات، حيث نجحت في تفكيك العديد من الخلايا قبل تنفيذ عملياتها، وإحباط مخططات كانت تستهدف إحداث حالة من الفوضى. ويُعد سقوط علي عبد الونيس أحد أبرز النجاحات في هذا السياق، نظرًا لما وفره من معلومات ساهمت في كشف شبكات معقدة من العلاقات والتنظيمات.
وفي النهاية، تؤكد هذه الوقائع أن التحديات التي تواجهها الدولة تتطلب يقظة مستمرة وتكاملًا بين مختلف مؤسساتها، سواء الأمنية أو الإعلامية، لمواجهة أشكال التهديد المتجددة. كما تسلط الضوء على أهمية الوعي المجتمعي في التصدي لمحاولات التضليل، خاصة في ظل تطور أساليب الجماعات المتطرفة، التي لم تعد تعتمد فقط على السلاح، بل باتت تستخدم أدوات أكثر خفاءً وتأثيرًا في معركتها ضد استقرار الدول.




