الرئيسيةمقالات الرأي

الدكتور عادل عامر يكتب : عندما تسقط هيبة الأوطان

 

 عندما تسقط هيبة الأوطان، تسقط معها الطمأنينة ويصبح الاغتراب داخل الحدود هو الشعور السائد. هيبة الوطن ليست في سطوة النظام، بل في سيادة القانون، وكرامة المواطن، وقوة المؤسسات التي تجعل للفرد قيمة وللدولة احتراماً بين الأمم.

 

إذا ضاعت الهيبة، استُبيحت المقدرات، وتجرأ الخارج على الداخل، وصار الحل والترحال بيد غير أهله. باختصار، هيبة الوطن هي “السقف” الذي يحمي الجميع؛ فإذا انهار، انكشف الجميع أمام العواصف. إن سقوط هيبة الوطن لا يبدأ من ضعف مؤسساته فقط، بل من ضعف ولائنا له. وحين يعود الولاء للوطن أولاً… تستقيم البوصلة، وتقوى الدولة، ويستعيد الشعب ثقته بأن هذا الوطن ملكٌ للجميع وليس حكراً على أحد

 

وحين يستهين أهل العلم بطلابهم، ويظنون أن السكوت ضعف، أو أن الثبات في مكان الفتنة جريمة، فهم بذلك يفتحون الباب للجهال أن يطأوا حمى العلماء، وأن يمدوا ألسنتهم بالسوء إلى من لم يعرفوا لهم قدرًا، ولم يفقهوا لهم علمًا. وهكذا يتساوى في أعين الناس المظلوم بالظالم، والبريء بالجاني، ولا يعلم حقيقة ما احتملوه في صمت إلا الله.

 

الذين هاجروا قد سلموا بأنفسهم من الأذى والمطاردة، ولكن الذين بقوا صابرين، يواسون الناس في شدتهم، ويعلِّمونهم أمر دينهم في مساجدهم، ويحملون عنهم ثقل الفقر والحصار، هؤلاء يُقصَون ويُهانون، ويُسلط عليهم من لا يساوي عند المروءة جناح بعوضة، ممن تسموا باسم الثورة واتخذوها تجارة، وجعلوا الدين مطية لجمع المال، وأهل المخيمات جوعى عراة يرتجفون من البرد!

 

ثم يأتيك السفهاء فيتهمون هذا الشيخ المربي، الذي صبر وصمد، بأنه مداهن أو منافق أو من أتباع النظام، وما عرفوا له موقفًا، ولا شهدوا له صبرًا، ولا رأوا ما قاسى في صمت. ولو كان فيهم صدق، فليجربوا ما جرب، وليقفوا أمام جندي حقير كما وقف، لا وهم في دفء الغرف المذهبة، وبين المتاع والمكاسب!

 

إننا اليوم بإزاء خطة شيطانية، هُدمت بها هيبة العمائم، وأُهينت لحى الصالحين، وصار يُنظر إلى العالم كما يُنظر إلى الجاهل، وكلاهما في الميزان سواء! وهذه – والله – غاية ما أراده الأعداء، وقد بلغوه. وللأسف، صار نشر الفكر الوهابي بيننا يسير كما يُخطط له، تحت بصر من يظنون أنهم حماة الدين.

 

لم يشغل بال الأمريكان كثيرا الخسائر البشرية والمادية، عندما ضُربت الولايات المتحدة الأمريكية في 11 سبتمبر في عقر دارها، وانهار البرجان بما فيهما، وانتهكت حرمة البنتاجون والولايات المتحدة، بقدر ما شغل فكرهم الخسارة الأكبر، هيبة الدولة وسمعتها وموقعها العالمي، والأمر ببساطة إن بهيبة الدول تحفظ الأرواح وتصان الحقوق و تستقيم كثير من الأمور، وتجعلها محترمة ومهابة، لدى مواطنيها والعالم اجمع.

 

لاشك إن قوة القانون، واحترامه، وصون حقوق الإنسان، والاقتصاد القوي، والديمقراطية، والمساواة في الحقوق والواجبات، كل تلك أعمدة رئيسية تحدد هيبة الدول وقوتها وتجعلها حاضره في وجدان الناس وهمهم اليومي.

 

هكذا إذاً كانت تسقط هيبة الدولة وتسقط الآن وستسقط غدا، إن مر بصيص الأمل هذا، ولم توتي الدماء التي سقطت في ميادين التغيير (اُكلها) أو توقفت حناجر الثوار عن الصراخ، حتى نعيد لليمن مجده وهيبته ونفاخر به بين الأمم، أو نظل نراوح المكان والزمان، وتظل هيبة الدولة هي الغائب، وقوانينها تظل كما هي على الورق، والفساد يبقى سيد الموقف.

 

إن هيبة الدولة الحقيقية تتحقق بخدمة مواطنيها وتوفير سبل الراحة والأمن لهم، لا بترويعهم وقتلهم وطردهم من منازلهم، فسادة هذا الوطن وملاكه هم هؤلاء المواطنين حاملي جنسيته ودافعي ضرائبه الذين تغتصبون حقوقهم كقطاع الطرق وعصابات المافيا، ولو أن هذا النظام يحمل من الوطنية أو الشرف مثقال ذرة لوفر المليارات التي يُلقي بها في فنكوش العاصمة الإدارية لتطوير تلك الجزيرة وتحسين معيشة أهلها بدلاً من طردهم وقتلهم.

 

الدولة لا تريد أن تتراجع، ويبدو أن النظام ليس مستعدا بعد ليحقق مطالب المحتجين في الريف، بل من المبين في الخطوات والتدابير التي يتخذها بين الفينة والأخرى أنه غير مبالي أساسا بالأمر ولا بعواقب وتكلفة تأخير علاج الأزمة، وكل المؤشرات للأسف توحي بأنه لا ينوي حتى القيام بالأمر في المستقبل القريب، بما يعني أننا فعلا وإذا ما أصر كل طرف على تعنته فعلى وشك الدخول في مرحلة من الاصطدام أعنف بكثير مما هو عليه الأمر حاليا.

 

تعنت وعناد النظام في الاستجابة للمطالب مرده بالأساس إلى هناك مغالطة كبيرة وفكرة سلبية رائجة داخل دوائر صنع القرار في الدولة، فكرة مفادها أن أي خطوة لتحقيق مطالب المحتجين أو تراجع عن الخطوات والتدابير التي اتخذها ضد المحتجين (تصحيحا للأخطاء المرتكبة في التعامل مع الملف)، فذلك يعني بالضرورة أنه يضرب هيبة وكبرياء الدولة في العمق، أو أن من شأن قرار كهذا أن ينقص من مكانتها ويضعف من قوتها، وللأسف هي نفس المغالطة التي تروج لها مختلف الأقلام في المؤسسات الصحفية والإعلامية الرسمية أو التابعة للسلطة.

 

الفهم المغلوط للشكل والطبيعة التي يجب أن تكون عليها العلاقة بين المواطن ودولته أو من الساسة الذين يمثلون الشعب داخل مؤسساتها، هي كلها أمور جعلتنا اليوم نعيش كل هذه الأزمات والمشاكل. صحيح أن مثل هذه الأفكار السلبية ليست وليدة الأزمة الحالية، كما أنها لا تقتصر فقط على النظام الذي يحكم هذا البلد، ذلك أن الأمر غالبا ما يكون من السمات التي ترتبط بشكل وثيق بأي دولة هشة وغير ديمقراطية، حيث في الغالب ما يتم على أساسها تبرير عمليات القمع والتسلط الذي يمارس على الشعب، لكن الصحيح أيضا أن هناك قدر أدنى من التعقل يملي على من يحكمون البلد للتفكير في عواقب الأمور، إذ من الغباء أن يتم المجازفة باستقرار الوطن وأمن المواطنين فيه لمجرد فكرة مغلوطة وغير سوية وغير عقلانية أصلا..

 

فلا يجادل اثنان في كون هيبة الدولة مسألة ضرورية وحيوية ومن الأشياء الأساسية لأي مجتمع، وبذلك فلا يقبل التهاون حولها ولا يجب أن يكون الأمر موضع نقاش أو مزايدة من أحد، لكن إننا نعتقد كذلك أن الدولة التي تبني “هيبتها المفترضة” بزرع الخوف وبث الرعب في الناس وترويع المواطنين هي ليست دولة في حقيقتها، لكن مع كامل الاحترام فهي أقرب لتشكيل تنظيم العصابات وشبكات الإجرام فهي وحدها من تعتمد ذات الأسلوب.

 

فالدولة تعرف أنها مخطئة، ومع ذلك تتمادى في الخطأ وتزيد من تصعيد الأمور و”قلي السم” للمحتجين وأهاليهم وحتى مع من يتعاطف معهم، وتتمادى في مواجهة المظاهرات السلمية بالقمع العنيف، ومع توسيع لحملة الاعتقالات التي غالبا ما تتم بشكل عشوائي، والأحكام التي يوزعها القضاء الموجه وغير النزيه على المحتجين من خلال إلصاق أي تهمة حسب بروفايل كل معتقل…وغيرها من مختلف الإجراءات والسلوكيات القمعية…، فأي هيبة هذه، وأي عقل هذا الذي يربط هذه الهيبة والكبرياء المزعوم مع تلك الأعمال والسلوكيات التي تمرغ فيها كرامة المواطنين في التراب، وأي هيبة تلك التي بسببها تلصق التهم والأحكام كشربة الماء على شباب وشابات ذنبهم فقط أنهم طالبوا أن يكونوا “مواطنين حقيقيين”.

 

حقيقة لا ندري إذا كانت الدولة هي من تخوض معركتها الخطأ حينما قررت أن تربط من الأساس بين تحقيق مطالب وحقوق أساسية وضرورية لعيش كريم لفئة ضمن نطاق جغرافي محدد بهيبتها وقيمتها (مع أن جل المناطق تعاني تقريبا من المشاكل نفسها)، مما يعني في ذلك أنها أخطأت العنوان من الأصل، أم أننا نحن الحالمون بشكل مبالغ فيه عندما نعمل على مقارنة الطريقة التي يعامل بها المواطنون في بلدان أخرى من قبل أنظمة دولهم ونسعى بذلك أن نكون مثلهم ونترجى من نظامنا الحذو حذوهم..

 

إنه إذا ما كان لتفسير لهذا الأمر كله فهو أن النظام الذي يحكمنا لا يزال لم يفهم بعد معنى أن تكون حاكما في دولة عصرية وبدل أن تكون سلطانا على رعايا أو شيخا لقبيلة على قوم، فالفهم المغلوط للشكل والطبيعة التي يجب أن تكون عليها العلاقة بين المواطن ودولته أو من الساسة الذين يمثلون الشعب داخل مؤسساتها، هي كلها أمور جعلتنا اليوم نعيش كل هذه الأزمات والمشاكل، وبالتالي نعيش معه مأزقا في السلطة وفي تحديد ذلك الشكل والحدود في العلاقة بينهما، وأن من مترتبات الأمر أننا نعيش عطبا دائما في تصريف أمور الحكم وتدبير شؤون البلد بشكل سلس وسليم، وبذلك لا يمكن أن يستقيم الأمر إلى بوجود إطار وقواعد محددة بشكل واضح تبرز حدود وأدوار كل طرف.

 

إذ وكما في أي بلد من بلدان العالم -الديمقراطي-، فمن المفترض أن يوجد ميثاق يحدد طبيعة وشكل وحدود العلاقة بين المواطن من جهة والمسؤول أول المؤسسة التي يمثلها من جهة أخرى. ففي العادة وفي مثل هذه الدول يكون هذا الميثاق محدد بشكل دقيقي، ويكون بقواعد واضحة وسليمة، قواعد لا تقبل التأويل حسب نزوات شخصية لحاكم أو مسؤول، ولا لحالات ظرفية أو خاصة بأي منهما، وحتى إذا ما كان ووقع هناك لبس أو سوء فهم في التأويل أو التفسير فغالبا ما يكون الميل لمصلحة المواطن بالدرجة الأولى حيث يعتبر هو الأساس والمركز الذي لمصلحته تعمل الدولة ومؤسساتها.

 

الدكتور عادل عامر

 

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

 

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

 

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنس

ا

 

01118984318

 

01555926548

 

01024975371

 

01277691834

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى