بين “السعف” ودموع الخشوع.. أطفال يبتسمون ومياه “التجنيز” ترسم ملامح الروح

كتبت:إيمان خالد خفاجي
في مشهد استثنائي امتزجت فيه الروحانية بالفرح الشعبي، شهدت كنيسة العذراء مريم بحارة زويلة صباح الأحد احتفالات مهيبة بعيد «أحد الشعانين» أو «أحد السعف»، أحد أبرز وأقدس المناسبات في التقويم القبطي، حيث توافد آلاف الأقباط منذ الساعات الأولى حاملين سعف النخيل وأغصان الزيتون، في لوحة إنسانية نابضة تعكس عمق الإيمان وثراء التراث.
منذ اللحظات الأولى، بدت الكنيسة وكأنها تعود قرونًا إلى الوراء، حين تحولت جدرانها العتيقة إلى شاهد حي على طقوس متوارثة، تتجدد كل عام بذات الحماس. اصطف المصلون في ساحات الكنيسة، بينما علت أصوات الترانيم الكنسية، لتملأ الأرجاء بحالة من السكينة، بالتوازي مع أجواء احتفالية مبهجة رسمها الأطفال والكبار على حد سواء.
وتصدرت «دورة السعف» مشهد الاحتفال، حيث جابت أرجاء الكنيسة في طقس مهيب، تقدمها الكهنة والشمامسة وهم يحملون سعف النخيل المضفّر بعناية في أشكال رمزية، أبرزها الصليب وسنابل القمح. وعلى وقع الألحان القبطية، تحرك الموكب في مشهد يعيد إلى الأذهان لحظة استقبال السيد المسيح في أورشليم، وسط هتافات «أوصنا» التي تردد صداها في أرجاء المكان.
ولم تكن هذه الدورة مجرد طقس تقليدي، بل جسدت معاني رمزية عميقة، حيث يرمز سعف النخيل إلى النصر الروحي، بينما تعبر أغصان الزيتون عن السلام الداخلي والنقاء. وقد تجلت هذه الرموز في إبداعات المصلين، خاصة الأطفال الذين أبدعوا في تشكيل السعف إلى تيجان وصلبان وأشكال فنية متنوعة، أضفت على الاحتفال طابعًا مميزًا يجمع بين البساطة والجمال.
وكان حضور الأطفال لافتًا بشكل خاص، إذ شكلوا بضحكاتهم وحماسهم قلب المشهد. حملوا سعفهم بأيدٍ صغيرة، وارتدوا ملابس العيد، بينما حرص الآباء والأمهات على مشاركة هذه اللحظات معهم، في مشهد عائلي دافئ يعكس ترابط المجتمع القبطي وحرصه على نقل تقاليده للأجيال الجديدة.
وفي لفتة روحانية مؤثرة، شهدت الاحتفالات طقس «رش مياه التجنيز» على الأطفال والمصلين، وهو أحد أبرز الطقوس المرتبطة بهذا اليوم. ومع انتهاء القداس، أقيمت «صلاة التجنيز العام»، التي تُعد من الطقوس الفريدة في هذا التوقيت من العام، حيث تُقام مرة واحدة فقط قبل بدء أسبوع الآلام، نظرًا لعدم إقامة صلوات الجنازات خلال هذه الفترة المقدسة.
وخلال هذا الطقس، يقوم الكهنة برش مياه التجنيز على الحاضرين، في إشارة رمزية تحمل أبعادًا روحية عميقة، إذ تعبر عن التطهير والاستعداد النفسي والروحي للدخول في أجواء أسبوع الآلام. وقد تفاعل الأطفال مع هذا المشهد ببراءة، حيث بدت على وجوههم ملامح الدهشة والفرح، في حين غلب الخشوع على الكبار، الذين استقبلوا هذه اللحظات بتأمل وصمت.
ولم تقتصر أجواء الاحتفال على داخل الكنيسة، بل امتدت إلى شوارع حارة زويلة، التي تحولت إلى ساحة مفتوحة للاحتفاء، حيث انتشر بائعو السعف وأغصان الزيتون، مقدمين أشكالًا متنوعة من الزينة اليدوية التي يقبل عليها المصلون. وتداخلت أصوات الباعة مع الترانيم الصادرة من داخل الكنيسة، لتخلق حالة فريدة من التلاحم بين الطقوس الدينية والحياة اليومية.
هذا التداخل بين المقدس والشعبي يعكس خصوصية الاحتفال بأحد الشعانين في مصر، حيث لا يقتصر على كونه مناسبة دينية، بل يتحول إلى حدث اجتماعي وثقافي يعبر عن هوية متجذرة في التاريخ. وتبقى كنيسة العذراء بحارة زويلة، بما تحمله من قيمة أثرية وروحية، أحد أبرز الشواهد على هذا الامتداد التاريخي.
ومع انتهاء الاحتفالات، بدأت الكنيسة في التحول التدريجي نحو أجواء أكثر خشوعًا، إيذانًا ببدء «أسبوع الآلام»، الذي يُعد من أقدس الفترات في العقيدة المسيحية. حيث توشحت المذابح باللون الأسود، وتغيرت الألحان إلى نغمات حزينة، تعبيرًا عن بدء «البصخة المقدسة»، التي تستعيد خلالها الكنيسة أحداث الصلب والفداء.
ويمثل هذا الأسبوع رحلة روحية عميقة يعيشها الأقباط بكل تفاصيلها، بدءًا من أحد الشعانين وصولًا إلى «الجمعة العظيمة»، حيث تبلغ مشاعر الحزن والتأمل ذروتها، قبل أن تنقلب الأجواء تمامًا مع حلول عيد القيامة المجيد، الذي يجسد الانتصار على الموت وبداية جديدة مليئة بالرجاء.
وفي هذا السياق، تظل طقوس «رش المياه» و«دورة السعف» أكثر من مجرد مظاهر احتفالية، إذ تحمل في طياتها رسائل إنسانية وروحية عميقة، تؤكد على معاني الإيمان والتجدد، وتعكس قدرة الإنسان على الجمع بين الفرح والحزن في آن واحد.
وبين ابتسامات الأطفال ودموع الخشوع التي ارتسمت على وجوه الكبار، تجسد مشهد أحد الشعانين هذا العام في حارة زويلة كلوحة إنسانية متكاملة، تعكس روح مصر التي تحتضن تنوعها الديني والثقافي، وتؤكد أن الاحتفال ليس فقط طقسًا، بل حالة وجدانية تعيش في القلوب، وتنتقل من جيل إلى جيل.




