د. حسام راضي يكتب: السياسة الضريبية في عصر الاقتصاد الرقمي: من يفرض الضريبة على من؟
تخيّل أنك تدفع ضريبة على كل كيلومتر تقطعه بسيارتك، بينما تحلّق طائرة فوق رأسك لا تدفع قرشاً واحداً لأنها “لا تلمس الأرض”. هذا بالضبط ما يحدث اليوم مع عمالقة التكنولوجيا. وهو ليس مجرد ظلم اقتصادي — بل هو أزمة في صميم فلسفة الدولة الحديثة ومعنى السيادة الوطنية.
عندما تتبخر الأرباح قبل أن تُحسب
تجني Google مليارات الدولارات من الإعلانات المعروضة للمستخدمين المصريين والسعوديين والإماراتيين، وتحصد Netflix اشتراكات ملايين العرب شهراً بشهر، وتجمع Meta بياناتك الشخصية الأثمن من الذهب وتبيعها للمعلنين حول العالم — كل ذلك دون أن تدفع في معظم الأحيان ضريبة حقيقية لأي دولة عربية. والأغرب أن هذا لا يحدث بالتهرب أو المخالفة، بل يحدث بالقانون وفي ضوئه.
السبب بسيط ومُحيّر في آنٍ واحد: قوانين الضرائب صُمِّمت في القرن الماضي لعالم تتحرك فيه البضائع عبر موانئ وجمارك، وتنتج فيه الثروة داخل مصانع يمكن رؤيتها وقياسها وتضريبها. أما الخوارزمية التي تعمل في نفس الوقت على مليار هاتف في مئة دولة — فلا يعلم القانون القديم من أين تأتي ولا أين تذهب.
الخلل في البنية، لا في النوايا
الإشكالية الجوهرية تعود إلى ما يُعرف في الفقه الضريبي الدولي بـمبدأ المنشأة الدائمة” — الركيزة التي تقول إن الدولة لا يحق لها فرض الضريبة على شركة أجنبية ما لم يكن لهذه الشركة حضور مادي ثابت على أرضها: مكتب، أو فرع، أو موظفون مقيمون.
هذا المبدأ كان منطقياً تماماً في عالم الصناعات الثقيلة. لكنه بات اليوم ثغرة قانونية بحجم قارة. فـSpotify لا تحتاج إلى مستودع في القاهرة لتجني اشتراكاتها منها. وAmazon لا تحتاج إلى مكتب في الرياض لتبيع ما تبيعه لملايين السعوديين. وهكذا نصل إلى المعادلة المقلوبة: ثروات ضخمة تتولّد داخل إقليم الدولة من مواطنيها وبياناتهم وقوتهم الشرائية — لكن الدولة لا تملك قانونياً الحق في أخذ نصيبها منها.
ويزيد الأمر تعقيداً ما يُعرف بـ”تسعير التحويل” — تلك الهندسة المالية الذكية التي تلجأ إليها الشركات الكبرى لنقل ملكية براءات الاختراع والخوارزميات والعلامات التجارية إلى شركات تابعة في دول ذات ضريبة منخفضة كأيرلندا ولوكسمبورغ، ثم تدفع فروعها الربحية في سائر العالم “إتاوات” ضخمة لهذه الكيانات، فتتآكل أرباحها الخاضعة للضريبة المحلية. النتيجة الموثقة: أن Apple دفعت في بعض السنوات ما يعادل 0.005% فقط من أرباحها الأوروبية كضريبة فعلية — ليس مخالفةً، بل توظيفاً ماهراً لثغرات القانون.
الفلسفة قبل الأرقام
قبل الحديث عن معدلات الضريبة وآليات التحصيل، ثمة سؤال أعمق لا بد من الإجابة عنه: ما الذي يُنشئ حق الدولة في التضريب أصلاً؟
الفقيه الألماني الكبير كلاوس تيبكه أجاب بوضوح: الضريبة مشروعة أخلاقياً وقانونياً حين يستفيد دافعها من خدمات الدولة ونظامها القانوني وبنيتها التحتية. وبهذا المنطق، حين تجمع شركة رقمية بيانات مواطن مصري يعيش تحت حماية القانون المصري ويستخدم شبكة اتصالات مصرية فهذا المواطن وبلده هما المصدر الحقيقي للثروة، وهذا وحده كافٍ لإنشاء حق التضريب المشروع.
وفي السياق ذاته، يُقدّم الفكر الفرنسي رؤية مكمِّلة: الضريبة ليست مجرد مقابل لخدمة، بل هي تعبير عن التضامن الاجتماعي، عن الانتماء إلى جماعة وطنية تتشارك الموارد والمسؤوليات. وحين تستنزف شركة رقمية الحضور الاجتماعي لمجتمع ما — بياناتٍ وأسواقاً ومستخدمين — دون أن تُسهم في بنائه، فهي تكسر هذا العقد الضمني بين الاقتصاد والمجتمع.
محاولة دولية واعدة لكنها ناقصة
في أكتوبر 2021، أبرمت 136 دولة اتفاقية وصفها كثيرون بالتاريخية. وتقوم على ركيزتين: الأولى تُعيد توزيع بعض حقوق التضريب لصالح دول الاستهلاك — أي الدولة التي يُستهلك فيها المنتج الرقمي — بدلاً من أن تبقى كلها لدولة المقر. والثانية تفرض حداً أدنى عالمياً للضريبة على الشركات الكبرى بنسبة 15%، مما يُضيّق هامش التحكيم الضريبي ويُجفّف جزءاً من جاذبية الملاذات الضريبية.
لكن هذه الاتفاقية تحمل في طياتها عيباً بنيوياً لا يمكن إغفاله: فقواعدها صِيغت أساساً في دهاليز منظمة OECD التي تمثل مصالح الدول الغنية، بينما جلست الدول النامية على الطرف الآخر من الطاولة في موقف القبول لا التفاوض. والمفارقة المؤلمة أن هذه الدول النامية — التي تضم مئات الملايين من المستخدمين الرقميين الذين تتغذى عليهم شركات التكنولوجيا — هي الأقل استفادةً من إعادة توزيع العائدات. بعض الاقتصاديين وصف هذا الوضع صراحةً بـ”الاستعمار الضريبي الرقمي المُبسَّط”.
فضلاً عن ذلك، ظلت الولايات المتحدة — تحت ضغط شركات التكنولوجيا العملاقة — عائقاً أمام تطبيق الركيزة الأولى كاملةً، مما دفع دولاً كفرنسا وبريطانيا وإيطاليا إلى المضي في فرض ضرائب خدمات رقمية أحادية الجانب بنسبة 3% كورقة ضغط وحماية للوعاء الضريبي الوطني.
الإمارات استيقظت مبكراً، والمنطقة تتأخر
في غياب حل دولي مكتمل، تبرز تجربة الإمارات نموذجاً إقليمياً يستحق الدراسة. فمنذ إقرار ضريبة القيمة المضافة عام 2018، أدرجت الدولة الخدمات الرقمية المستوردة ضمن الوعاء الخاضع، وطوّرت آليات تسجيل للشركات الأجنبية غير المقيمة التي تبيع رقمياً لعملاء إماراتيين — وهو نهج عملي يُعوّض جزئياً غياب منشأة دائمة تقليدية.
مصر بدورها أدرجت تعريفاً للخدمات الرقمية المستوردة في قانون القيمة المضافة، لكن آليات التحصيل الفعلي لا تزال تواجه تحديات هيكلية جسيمة تتعلق بالرقابة والامتثال وضعف الكوادر الضريبية المتخصصة في الاقتصاد الرقمي. وتُشير تقديرات صندوق النقد الدولي إلى أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تخسر سنوياً ما بين 8 و12 مليار دولار من عائدات ضريبية محتملة على النشاط الرقمي غير المُضرَّب — وهي أموال كان يمكن أن تُموّل مستشفيات ومدارس وبنية تحتية حقيقية.
من يفرض الضريبة على من؟ سؤال لم نُجب عنه بعد
حين تنظر في مجمل هذه المشهد، يتضح أن الأزمة أعمق من مجرد ثغرة تشريعية يمكن سدّها بمادة قانونية أو لائحة تنفيذية. إنها أزمة في مفهوم السيادة الاقتصادية للدولة في عصر لا حدود فيه.
الدولة الحديثة بُنيت على افتراض أن ما يحدث داخل إقليمها يخضع لسلطتها — اقتصادياً وقانونياً وضريبياً. لكن الاقتصاد الرقمي يُفكك هذا الافتراض بصمت، حين تتولّد ثروات هائلة من مواطنين يعيشون تحت سيادة دولة ما، لكنها تذهب إلى كيانات لا عَلَم لها ولا عاصمة ولا ناخبون.
والأخطر من الخسارة المالية هو ما يصفه بعض فلاسفة القانون بـ”تآكل المشروعية الاجتماعية للمنظومة الضريبية”: حين يرى المواطن العادي أنه يدفع ضريبة على راتبه المتواضع بينما تجني شركة رقمية عملاقة مليارات من جيبه دون أن تدفع شيئاً يُذكر — فهو لا يشعر بالظلم الاقتصادي فحسب، بل يفقد ثقته بالدولة وقدرتها على حماية مصالحه في المعادلة الاقتصادية الكبرى.
الضريبة في جوهرها ليست مجرد رقم في ميزانية الدولة. إنها تعبير عن أن هذه الدولة موجودة، وأن سيادتها حقيقية لا شكلية، وأن الثروة المُنتَجة على أرضها ومن مواطنيها لها نصيب واجب في بناء مستقبلهم. وأي منظومة ضريبية عاجزة عن استيعاب الاقتصاد الرقمي هي منظومة تتنازل — بصمت وبطء — عن جزء من سيادة الدولة ذاتها.



