الاقتصاد

زلازل الجيوسياسة: قطاع التأمين في مواجهة العاصفة بمنتصف 2026

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

نقطة التحول: تصعيد يتجاوز الحدود منذ منتصف مارس الجاري، انتقلت التوترات الأمريكية الإيرانية من مرحلة “إدارة الصراع” إلى “المواجهة المفتوحة”، مما خلق ارتدادات عنيفة تجاوزت المشهد العسكري لتضرب قلب الاقتصاد العالمي. لم يعد الأمر مقتصرًا على تحركات البوارج، بل انعكس فوراً في قفزات سعرية بأسواق الطاقة، وتضاعف تكاليف الشحن، واشتعال أقساط التأمين البحري. هذا المشهد يضع قطاع التأمين العالمي أمام “اختبار ضغط” غير مسبوق، حيث تلاشت الخطوط الفاصلة بين المخاطر التشغيلية المعتادة ومخاطر الحروب الشاملة.

قطاع الطيران: بين فكي كماشة التكاليف والمجال الجوي

وفقاً لبيانات اتحاد شركات التأمين المصرية، يواجه قطاع الطيران أزمة وجودية تهدد ربحية عام 2026؛ فمع استحواذ الوقود على 25% من المصروفات، تسببت تقلبات أسعار النفط وإغلاق المجالات الجوية في استنزاف مالي حاد. شركات التأمين الآن أمام موجة مطالبات هي الأضخم منذ الأزمة الأوكرانية، تشمل تعويضات إلغاء الرحلات، والأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للمطارات. هذا الوضع دفع المكتتبين الدوليين لإعادة النظر في “التراكم الجغرافي”، أي مدى تركز الأساطيل في مناطق النزاع، مما قد يؤدي إلى تقليص حدود التغطية أو رفع كلفتها بشكل باهظ.

التأمين البحري: ساحة الصراع الأكثر تعقيداً

يظل التأمين البحري هو “خط الدفاع الأول” المتضرر؛ حيث تحولت الممرات المائية في الخليج العربي إلى مناطق عالية الخطورة. التحدي الأكبر هنا لا يكمن فقط في الهجمات المباشرة، بل في “ضبابية الأسباب”؛ فالتداخل بين التشويش الإلكتروني (GPS) والحوادث التقليدية (تصادم أو جنوح) يضع شركات التأمين في حيرة قانونية: هل تُصنف الخسارة كخطر “سيبراني”، أم “حرب”، أم حادث “هيكل وآلات” تقليدي؟ هذا الغموض الميداني أدى إلى تشديد صارم في شروط الوثائق ورفع فوري للأقساط لتعويض عدم اليقين.

البعد الإنساني والمسؤولية القانونية

خلف لغة الأرقام، هناك أزمة إنسانية تطال نحو 20 ألف بحار وعامل في المنصات البحرية. ملاك السفن ونوادي الحماية والتعويض (P&I) يواجهون التزامات إضافية تتجاوز المادي إلى المعنوي، مثل دعم الصحة النفسية للأطقم المحتجزة وضمان استمرار أجورهم. كما برزت معضلة قانونية جديدة تتمثل في رفض بعض البحارة الإبحار في مناطق الخطر، مما يفتح الباب لمطالبات تتعلق بـ “بيئة العمل غير الآمنة”، ويزيد من تعقيد تسوية المطالبات في ظل العقوبات الدولية وقيود استثناءات الحروب.

إعادة التقييم الطبي: الصحة النفسية كأولوية

لم تعد خدمات الصحة النفسية “رفاهية” في وثائق التأمين الطبي لعام 2026، بل تحولت إلى ضرورة ملحة. نتيجة للضغوط المستمرة واضطرابات ما بعد الصدمة في بيئات العمل اللوجستية، بدأ قطاع التأمين بتوسيع التغطيات لتشمل الاستشارات العلاجية وإعادة التأهيل. هذا التحول ليس مجرد استجابة إنسانية، بل هو استراتيجية لتقليل الخسائر غير المباشرة المرتبطة بانخفاض الإنتاجية وتزايد غياب الموظفين في القطاعات الحيوية.

إعادة التأمين: كابوس الخسارة الكلية

يراقب معيدو التأمين المشهد بحذر شديد، حيث يخشون من سيناريو “الحادث الواحد المتعدد”؛ فوابل صاروخي واحد أو حقل ألغام قد يؤدي إلى خسارة متزامنة لعدة ناقلات غاز ونفط في منطقة جغرافية ضيقة. هذا التركز في المخاطر يهدد بانهيار برامج التأمين المتعلقة بالطاقة والشحن معاً، مما يدفع معيدي التأمين إلى المطالبة بزيادة الاحتياطيات الرأسمالية وتعديل نماذج تسعير المخاطر العالمية لتتحمل صدمات الجيوسياسة المتلاحقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى