عبدالحليم قنديل يكتب : مجلس حرب لا مجلس سلام
لا أحد عاقل يأمل كثيرًا أو قليلًا في نتائج مرتقبة من الاجتماع الأول لما يسمى «مجلس السلام» في «غزة». فالمشهد المسيطر منذ أسابيع هو الاستعدادات الجارية لضرب إيران، وأجواء الذهاب إلى حرب – إن لم تكن بدأت بالفعل – تتناقض بطبيعتها مع ادعاءات البحث عن سلام.
وقبل اجتماع مجلس السلام، عُقد اجتماع مجلس الحرب بين الرئيس الأمريكي Donald Trump ورئيس الوزراء الإسرائيلي Benjamin Netanyahu، الذي لن يحضر اجتماع مجلس السلام. والمعنى واضح؛ فقوة الاحتلال المسيطرة على الأرض في غزة لا تبدي أي تجاوب ملموس مع ترتيبات تنفيذ «خطة ترامب» ومراحلها في القطاع.
وقد بدا ذلك في العرقلة الإسرائيلية لكل الخطوات، وترحيل استحقاقات من المرحلة الأولى إلى ما بعد إعلان الدخول في المرحلة الثانية، ومنها – مثلًا – فتح معبر رفح في الاتجاهين، بما يسمح بخروج الجرحى ومرافقيهم إلى مصر وعودة الغزيين الراغبين إلى القطاع.
ورغم أن المعبر يُدار شكليًا بالطريقة المتفق عليها منذ عام 2005، بوجود مصري وحضور أوروبي ومشاركة فلسطينية، فإن الدخول والخروج لا يتمان إلا بعد المرور على نقطة تفتيش إسرائيلية، حيث يجري التنكيل بالفلسطينيين والتحقيق معهم وسلب أمتعتهم. ويستعين الجنود الإسرائيليون بعملاء محليين، رغم حصول الأسماء على موافقات مسبقة.
النتيجة أن أعداد الداخلين والخارجين تُختصر إلى الحد الأدنى، رغم تسجيل نحو 80 ألف فلسطيني أسماءهم للعودة، ووجود أكثر من 20 ألف مصاب ومريض تقرر خروجهم للعلاج العاجل. كما يشترط الاحتلال تعسفيًا منع عودة من غادروا غزة قبل 7 أكتوبر 2023، أي قبل اندلاع حرب الإبادة.
ولا تخفى مخالفات الاحتلال حتى لنصوص «خطة ترامب» التي تنص على حرية الخروج والعودة دون قيود. فقد تصور الاحتلال وواشنطن أن فتح المعبر سيشجع ما يسمونه «التهجير الطوعي»، واستندوا إلى استطلاعات رأي استشهد بها ترامب في لقائه السادس مع نتنياهو نهاية 2025، زعمت أن نصف سكان غزة يريدون مغادرتها فورًا.
لكن الواقع جاء معاكسًا؛ إذ أقبل الفلسطينيون على تسجيل رغبات العودة حتى لو فقدوا منازلهم، وتحملوا كل صور التنكيل من أجل العودة إلى أراضيهم. وقد أثبتوا ذلك خلال حرب الإبادة التي قتلت وجرحت ما يقارب ربع مليون فلسطيني، ودمرت 90% من البيوت والمدارس والمستشفيات ودور العبادة، وجوعت أكثر من مليوني إنسان.
ورغم السريان الشكلي للهدنة منذ 10 أكتوبر 2025، استمر القصف والهدم، وأضاف الاحتلال آلاف المنازل إلى قائمة الدمار، مع بقاء قواته وراء ما يسمى «الخط الأصفر»، دون ضغط أمريكي حقيقي للانسحاب إلى «الخط الأحمر» الملاصق للحدود.
كما توسعت مساحة الاحتلال المباشر لتتجاوز 60% من مساحة القطاع، ولم يدخل سوى أقل من ربع شاحنات الإغاثة المتفق عليها، ولم تصل الخيام أو المنازل الجاهزة أو معدات إزالة الركام، في وقت يتكدس فيه نحو 60 مليون طن من الأنقاض، وسط انهيار شامل للبنية التحتية.
وربما تدفع هذه الحالة من الصمود الفلسطيني واشنطن إلى إعادة ترتيب أولويات المرحلة الثانية، بطرح نزع سلاح «حماس» كشرط أساسي. ووفق ما نشرته صحيفة The New York Times، فإن المبعوث الأمريكي Steve Witkoff ومعه Jared Kushner يعتزمان عرض خطة لنزع السلاح على مفاوضي الحركة، على مراحل تمتد لأشهر.
وتنص الخطة على نزع السلاح مقابل نشر «قوة استقرار دولية» والبدء في إعادة الإعمار وانسحاب تدريجي إسرائيلي، وهو شرط يصادر جوهر القضية؛ فحركات المقاومة ليست جيوشًا نظامية، والدول المرشحة للمشاركة في القوة الدولية ليست مستعدة للاصطدام بها.
وتزعم إسرائيل أن نحو 20 ألف مقاتل من «حماس» ما زالوا موجودين، وبحوزتهم عشرات الآلاف من البنادق، وتطالب بأن تكون مهمة القوة الدولية الأولى هي نزع السلاح وهدم الأنفاق، مهددة بالقيام بالمهمة بنفسها إذا عجزت القوة الدولية.
وهذا يضيف تعقيدات جديدة؛ فمجلس السلام لا يستطيع التأكد من نزع السلاح، ولا يملك أو يريد إجبار الاحتلال على الانسحاب، فيما أثبتت أكثر من سنتين من الحرب عجز إسرائيل عن إنهاء المقاومة أو كشف كل أنفاقها.
وفي الضفة الغربية تتفاقم الأوضاع، مع تسارع إجراءات الضم الفعلي والانقلاب على اتفاقات Oslo Accords، ونقل سجلات الأراضي والمباني إلى سلطات الاحتلال، وتصاعد الاستيطان وتسليح المستوطنين.
كما يجري تهويد القدس، واقتحام المسجد الأقصى بشكل يومي، واستكمال السيطرة على الحرم الإبراهيمي في الخليل، مع تقليص شبه كامل لصلاحيات السلطة الفلسطينية، وسط بيانات إدانة دولية لا تتجاوز حدود الكلام.
وتكتفي جماعة «مجلس سلام ترامب» بترديد رفض الرئيس الأمريكي لضم الضفة، رغم أنه سبق وأيد ضم القدس بالكامل، معتبرًا ذلك من إنجازاته.
وبالإجمال، لا معنى للحديث عن سلام مرتقب في غزة أو في فلسطين عمومًا، ولا لتعليق آمال على مسار لكيان فلسطيني مزعوم. فالمعطيات تشير إلى أن ما يجري ليس إعدادًا لسلام، بل تمهيدًا لحرب جديدة، ليبدو «مجلس السلام» مجرد لافتة مموهة لمجلس حرب حقيقي.
mailto:Kandel2002@hotmail.com



