
كتب: حمدي حسن عبدالسيد
على أرض بلانة النوبية، وفي حضرة التاريخ الممتد عبر آلاف السنين، تتجدد غدًا واحدة من أروع الظواهر الفلكية في العالم؛ إذ تتعامد أشعة الشمس على وجه الملك رمسيس الثاني داخل معبده العظيم في معبد أبو سمبل، في مشهد يجسد عبقرية المصري القديم ودقته العلمية المذهلة.
يقع المعبد على الضفة الغربية للنيل جنوب مدينة أسوان، ضمن نطاق قرية بلانة ببلاد النوبة، على بُعد نحو 290 كيلومترًا جنوب غرب أسوان. وقد نحته رمسيس الثاني في قلب الجبل خلال القرن الثالث عشر قبل الميلاد، تخليدًا لانتصاره في معركة قادش، وتكريمًا لزوجته الملكة نفرتاري، ليبقى شاهدًا على قوة الدولة المصرية في عصرها الذهبي.
سر التسمية… وأصل الحكاية
ورغم أن المعبد يقع جغرافيًا في نطاق بلانة، فإن تسميته ارتبطت بنجع «أبو سنبل» الذي كان يقع على أطراف القرية، ومع تعاقب الأحداث الإدارية استقر الاسم بصيغته المتداولة «أبو سمبل». وبين الاسم والمكان، تبقى بلانة شاهدة على الحدث، وحارسة لذاكرة النوبة العريقة.
اكتشاف المعبد من جديد
أُعيد اكتشاف المعبد في العصر الحديث على يد المستكشف السويسري يوهان لودفيج بوركهارت عام 1813، حين لمح رؤوس التماثيل البارزة من الرمال وسجل ملاحظاته. ثم جاء الإيطالي جيوفاني باتيستا بلزوني عام 1817، ليزيح الرمال عن الواجهة ويكشف صالاته الداخلية حتى قدس الأقداس، حيث تجلس تماثيل الآلهة إلى جوار تمثال رمسيس الثاني، في قدسية وصمت مهيب.
ظاهرة التعامد… علم وفلك وحسابات زمن
في صباح يومي 22 أكتوبر و22 فبراير من كل عام، تتسلل أشعة الشمس لمسافة طويلة داخل المعبد لتضيء وجه رمسيس الثاني وتمثال الإله آمون رع، بينما يبقى تمثال بتاح — إله الظلام — في الظل، في دلالة رمزية عميقة.
ويربط عدد من الباحثين هذه الظاهرة بالمعرفة الفلكية المبكرة التي عرفها المصري القديم، خاصة في منطقة نبتا بلايا جنوب النوبة، والتي تعد من أقدم المواقع ذات الدلالات الفلكية في التاريخ الإنساني، حيث اعتمدت على حسابات زمنية دقيقة سبقت كثيرًا من الحضارات.
ملحمة الإنقاذ… إنقاذ معجزة من الغرق
ومع بناء السد العالي وتكوّن بحيرة ناصر في ستينيات القرن الماضي، أصبح المعبد مهددًا بالغرق، فشهد العالم واحدة من أعظم عمليات إنقاذ التراث الإنساني، حيث جرى تفكيك المعبد ونقله إلى موقعه الحالي فوق هضبة مرتفعة، مع الحفاظ على ظاهرة التعامد بدقة مذهلة.
ويُذكر في هذا السياق دور النحات النوبي أحمد عثمان الذي كان من أبرز أصحاب الرؤى الفنية في مشروع النقل، تأكيدًا على إسهام أبناء النوبة في حماية تراثهم الخالد.
أبو سمبل… نبض سياحي متجدد
اليوم، يبقى معبد أبو سمبل واحدًا من أهم المقاصد السياحية في مصر، حيث يفد إليه الزوار من مختلف أنحاء العالم لمشاهدة لحظة ميلاد الضوء من قلب الحجر، في تلاحم بديع بين الهندسة والفلك والعقيدة.
وغدًا، حين تشرق الشمس على وجه رمسيس الثاني في بلانة، لن يكون المشهد مجرد ظاهرة فلكية، بل رسالة متجددة تؤكد أن أرض النوبة كانت — ولا تزال — منارة للعلم والحضارة، وأن المصري القديم سبق عصره حين جعل من الضوء لغةً للخلود.



