الرئيسيةمقالات الرأي

كعك العيد ايقونة الهوية المصرية وحكاية “نقشة” صمدت لآلاف السنين

كعك وبسكويت العيد.. موروث يتحدى الزمن

بقلم: حمدي حسن عبد السيد

رائحة السمن المقدوح، صوت المناقش على الصاجات، ولمسات السكر الناعم.. هي ليست مجرد تفاصيل لتحضير حلوى، بل هي شيفرة الفرح التي يتوارثها الأحفاد عن الأجداد. إن كعك العيد هو “تذكرة مرور” زمنية تأخذنا من حداثة اليوم إلى عراقة الأمس، حيث امتزجت قدسية المعتقدات المصرية القديمة بكرم الضيافة الإسلامية، ليخرج لنا هذا المزيج الفريد الذي نطلق عليه اليوم “كعك العيد”. فما هي القصة الكامنة وراء هذا التقليد العريق؟

من معابد الفراعنة إلى “دار الفطرة”

تبدأ رحلة الكعك من قلب الحضارة المصرية القديمة، حيث كان يُعرف بـ “القرص”. وتكشف النقوش على جدران المعابد، مثل مقبرة “تي” بسقارة، كيف كان المصريون القدماء يشكلون العجين على هيئة قرص الشمس ويقدمونه كقرابين للآلهة. ومع مرور الزمن، انتقل هذا الموروث إلى العصور الإسلامية ليتخذ صبغته الاحتفالية الحالية.

في الدولة الإخشيدية، اشتهر كعك “أفطن إليه” الذي كان يُحشى بالدنانير الذهبية، أما في العصر الفاطمي، فقد تحول الأمر إلى تقليد رسمي للدولة بإنشاء “دار الفطرة”، وهي مؤسسة كبرى كانت مسؤولة عن تجهيز أطنان الكعك لتوزيعه على الشعب، ليعلن رسمياً أن الكعك هو “سفير الفرح” في الأعياد.

البسكويت.. التطور الذي صبغته الروح المصرية

وعلى خطى الكعك، دخل “البسكويت” إلى المائدة المصرية كوافد أوروبي، لكن الشخصية المصرية سرعان ما أضفت عليه لمستها الخاصة بإضافة “النشادر” ونكهات البرتقال، ليصبح “ماكينة البسكويت” وصوتها المميز جزءاً لا يتجزأ من صخب الأيام الأخيرة لشهر رمضان، وشريكاً استراتيجياً في صواني العيد.

 

“يا كحك العيد يا احنا”.. صوت الفرح في الوجدان

لا تكتمل طقوس “الخبيز” دون استحضار الإرث الغنائي الذي خلّده الفن الشعبي. فبمجرد أن تبدأ الأمهات في نخل الدقيق، تنطلق الألسنة بترديد الأغنية الأيقونية “يا كحك العيد يا احنا.. يا بسكويت يا احنا” للفنانة صفاء أبو السعود، وهي الأغنية التي صارت بمثابة النشيد الوطني لبهجة العيد، توثق حالة “اللمة” الأسرية وتبادل الأدوار بين النقش والرص والتسوية.

الكعك في عيون الكاميرا: دراما اللمة المصرية

لم تكن السينما والتلفزيون بمعزل عن هذا التراث، بل وثقت “سوسيولوجيا الكعك” في مشاهد لا تُنسى:

  • في فيلم “الحفيد”: رأينا كيف تجتمع العائلة حول الطبلية في مشهد يلخص دفء البيت المصري الأصيل.
  • في فيلم “عسل أسود”: تجسدت قيمة “الجيرة” في مشهد “المنور” الشعبي وتصاعد أدخنة الفرن التي تعيد للمغترب هويته.
  • في “ليالي الحلمية”: رسم الكعك ملامح التباين الطبقي بين “كعك الهوانم” الجاهز و”كعك الحارة” المصنوع بحب وكدح اليد.

الخاتمة: نقشة لا تمحوها الأيام

يبقى الكعك والبسكويت في مصر أكثر من مجرد “تحلية” لما بعد الصيام؛ إنهما سجل حضاري حي، وجسر يربط حاضرنا بماضينا السحيق. هي عادة صمدت أمام تقلبات الزمن وغلاء الأسعار، لتؤكد في كل عام أن بهجة المصريين “منقوشة” بماء الورد والسمن والدفء الإنساني، وأن فرحة العيد تبدأ من رائحة “الخبيز” قبل أن تبدأ مع تكبيرات الصلاة.

حمدي حسن

كاتب وباحث فى التاريخ والتراث الشعبى امين عام جمعية التراث النوبى امين امانة الثقاغة والفنون بامانة السلام ثان حزب حماة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى