لبنان بين الخوف والرجاء: ماذا بقي لنا لنحميه؟

بقلم: نورا علي المرعبي
في لبنان، أخطر ما في الحرب ليس صوتها… بل اعتيادها.
أن يستيقظ الناس على خبر قصف ثم يكملوا يومهم.
أن تتعلم العائلات قراءة نبرة نشرات الأخبار كما لو كانت نشرة طقس.
أن يسأل الأطفال ببراءة: هل هذه حرب أم مجرد تصعيد؟
عندما يصل المجتمع إلى هذه المرحلة، نكون أمام ظاهرة أخطر من الحرب نفسها: تكيّف الوعي مع الخطر. عندها لا تضرب الحرب الجغرافيا فقط، بل تضرب فكرة الوطن في وجدان أبنائه.
في ليالي لبنان الأخيرة، يمكن قراءة القلق في التفاصيل الصغيرة. الشوارع تهدأ بسرعة غير معتادة، الهواتف لا تغادر الأيدي، والناس يتابعون السماء كما لو أن مصيرهم معلّق هناك. ليس خوفًا فقط من صاروخ أو غارة، بل خوفًا من السؤال الأكبر الذي يلاحق هذا البلد منذ عقود: هل نحن دولة فعلًا، أم مجرد مساحة تتقاطع فوقها صراعات الآخرين؟
لقد عاش اللبنانيون طويلًا في منطقة رمادية بين السلم والحرب. لا سلام حقيقي يسمح ببناء مستقبل مستقر، ولا حرب حاسمة تنهي حالة التعليق. هذا التعليق المزمن خلق مجتمعًا يعيش على إيقاع الاحتمالات: احتمال التصعيد، احتمال الانفراج، واحتمال الانهيار المفاجئ.
لكن المجتمعات لا يمكن أن تبقى معلّقة إلى الأبد.
الدول تُبنى على وضوح القرار، وعلى سيادة لا لبس فيها، وعلى مؤسسات تعرف من يقرر ومن يحمي ومن يتحمل المسؤولية.
في لبنان، المشكلة لم تكن يومًا في الناس.
هذا الشعب أثبت قدرة استثنائية على النهوض. بعد كل كارثة كان يعيد فتح محاله، يعيد تشغيل مدارسه، ويعيد الحياة إلى مدنه. لكن هذه القدرة على الصمود تحولت مع الوقت إلى سيف ذي حدين. فقد اعتاد اللبنانيون التكيّف مع الأزمات بدل إنهائها.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى: الصمود لا يمكن أن يكون استراتيجية وطنية دائمة.
الصمود قد ينقذ مجتمعًا مؤقتًا، لكنه لا يبني دولة.
الدولة تُبنى عندما يكون القرار السيادي واضحًا وغير قابل للتجزئة. عندما تكون حياة المواطنين فوق أي حساب آخر. وعندما يدرك الجميع أن الوطن لا يمكن أن يعيش طويلًا وهو موزع بين حسابات الداخل وضغوط الخارج.
لبنان، بحكم موقعه وتاريخه وتركيبته، لم يكن يومًا بلدًا معزولًا عن صراعات المنطقة. لكن الفرق بين الدولة القوية والدولة الهشة هو أن الأولى تدير علاقتها بهذه الصراعات، بينما تتحول الثانية إلى ساحة لها.
واللبنانيون يعرفون جيدًا كلفة أن يكون وطنهم ساحة. لقد دفعوا هذا الثمن مرارًا: في اقتصادهم، في استقرارهم، وفي أعمار أجيال كاملة عاشت القلق بدل الحياة الطبيعية.
اليوم، يقف لبنان مرة أخرى أمام لحظة حساسة. ليس فقط بسبب احتمالات التصعيد العسكري، بل بسبب السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه بقوة: إلى متى سيبقى هذا البلد يعيش على حافة الانفجار؟
اللبناني لا يريد معجزات.
هو يريد فقط ما تريده الشعوب الطبيعية: دولة واضحة، قرار واضح، ومستقبل يمكن التخطيط له دون أن ينهار فجأة بسبب حسابات لا يملك أي تأثير عليها.
ما بقي لنا لنحمي لبنان ربما ليس كثيرًا، لكنه جوهري.
بقي وعي الناس بأن هذا البلد لا يمكن أن يستمر كمساحة مفتوحة لكل صراعات المنطقة.
وبقي إدراك متزايد بأن بناء دولة حقيقية لم يعد ترفًا سياسيًا، بل شرطًا للبقاء.
الأوطان لا تسقط فقط عندما تُقصف مدنها.
الأوطان تسقط عندما يعتاد أبناؤها فكرة العيش في وطن هش.
لبنان لا يحتاج فقط إلى نهاية حرب محتملة.
لبنان يحتاج إلى نهاية مرحلة كاملة من الغموض في معنى الدولة.
فإما أن يتحول هذا القلق المتراكم إلى لحظة وعي تعيد بناء الدولة على أسس واضحة: سيادة كاملة، قانون واحد، ومواطنة لا تتجزأ…
أو سيبقى اللبنانيون يعيشون بين خوف يتكرر ورجاء يتجدد، دون أن يخرجوا فعلًا من هذه الدائرة.
ولأن هذا الوطن، رغم كل شيء، لا يزال يسكن قلوب أبنائه بعمق…
يبقى السؤال مفتوحًا أمام الجميع:
ماذا بقي لنا لنحميه… قبل أن يصبح الرجاء نفسه في خطر؟




