مقالات الرأي

مريم بدران تكتب :الناجون بلا حياة: حين تنتهي الأزمة ولا ينتهي أثرها

ليس كل من خرج من أزمة نجا فعلًا، وليس كل من تجاوز حدثًا تجاوز أثره. هناك لحظة يبدو فيها كل شيء منتهيًا من الخارج : الغنى انتهى، المرض شفي، الصدمة مرت، الحادث أُغلق ملفه، وحتى محاولات الانهيار التي قد تبلغ خمس محاولات انتحار، تُختصر في جملة: “عادي، تجاوزنا المرحلة” لكن ما لا يُقال هو أن بعض المراحل لا تُغلق، بل تبقى مفتوحة داخل الإنسان بشكل مختلف تمامًا عن شكلها الأول.

المجتمع يحب قصة النجاة، لكنه نادرًا ما يعرف ماذا يفعل بما بعدها . يصفق للعودة، لكنه لا يرى ما الذي عاد فعلًا، لأن العودة في كثير من الحالات ليست عودة إلى الحياة، بل عودة داخل حياة لم تعد تشبه صاحبها.

في علم النفس، قد ترتبط بعض هذه الحالات بما يُعرف باضطراب ما بعد الصدمة (PTSD)، حيث لا ينتهي الحدث عند توقفه، بل يستمر أثره داخل الجهاز العصبي كأنه ما زال يحدث بصيغة مختلفة. يتعلم الجسد النجاة، لكنه لا يتعلم الطمأنينة. ينجو الدماغ من الخطر، لكنه يبقى يتصرف كأن الخطر لم ينته تمامًا. لذلك قد يعيش الإنسان في حالة يقظة دائمة، أو فراغ داخلي، أو انفصال عن الإحساس بالواقع يُعرف بتبدد الشخصية أو الاغتراب عن الواقع.

خذ مثال شخص خرج من غنى شديد إلى ديون وضغط مالي حاد. قد يكون اليوم في وضع مختلف تمامًا، لكن عقله ما زال يتصرف كأن كل شيء سيعود كما كان. قد يستمر في الإنفاق وكأنه يعيش في وفرة لم تنته، أو يبالغ في إظهار الكرم والعطاء كأنه يحاول تثبيت صورة قديمة عن نفسه، أو يتمسك بعادات رفاهية صغيرة رغم أنها لم تعد مناسبة لواقعه الحالي.

(هنا لا تختفي الذاكرة النفسية للمرحلة السابقة، بل تتحول إلى نظام داخلي يواصل العمل حتى بعد تغير الواقع. ليس لأن الشخص لا يفهم وضعه الجديد، بل لأن الشعور الداخلي لم يلحق بعد بما حدث فعليًا.)

وفي حالات المرض، خاصة الأمراض الطويلة أو الخطيرة، لا تنتهي التجربة عند الشفاء الطبي. هناك من يخرج من المستشفى بجسد سليم، لكنه لا يعود إلى حياته السابقة أبدًا. يصبح كل ألم صغير إنذارًا، وكل تعب بسيط احتمالًا للعودة إلى البداية. الجسد يشفى، لكن العلاقة معه تتغير: يتحول من “بيت” إلى “مصدر شك”.

أما في الصدمات النفسية فالمسألة أكثر تعقيدًا. الصدمة لا تُخزن كذكرى فقط، بل كطريقة إدراك. قد يعيش الشخص حياته بشكل طبيعي ظاهريًا، يدرس أو يعمل أو يضحك، لكن داخله جزء غير متصل بالكامل بما يحدث حوله. ( كأن هناك طبقة مراقبة دائمة لا تغيب، تتوقع الأسوأ حتى في أكثر اللحظات أمانًا.)

والأشد قسوة هو ما يحدث بعد محاولات الانتحار المتكررة. هنا لا تكون النجاة نهاية القصة، بل بداية سؤال ثقيل لا يُقال بصوت عالٍ: علاش أنا هنا ؟ لماذا لم أنته؟ هذا السؤال لا يبقى فكرة عابرة، بل يتحول إلى ظل داخلي يرافق الحياة، وإلى شعور بالاغتراب عن الذات، وكأن الإنسان موجود دون أن يكون حاضرًا بالكامل.ليس بالضرورة رغبة في الموت، بل عجز عن فهم كيف تُعاش الحياة دون الوقوف المستمر على الحافة.

في المقابل، يتعامل المجتمع مع النجاة كإنجاز مكتمل، كقصة يجب أن تُغلق سريعًا بنهاية إيجابية: “أنتِ قوية لأنكِ تجاوزتِ” ، “يكفي أنكِ ما زلتِ على قيد الحياة”… 

لكن القليل فقط يسأل سؤالًا مختلفًا: ماذا حدث للجزء الذي خرج من التجربة؟ هل خرج كاملًا فعلًا، أم أن شيئًا منه ظل هناك، لم يعد قادرًا على العودة، لكنه أيضًا لم يعد قادرًا على الاختفاء؟

في علم النفس الحديث، يُنظر إلى الشفاء باعتباره عملية طويلة لا تعني العودة إلى ما كان، بل بناء علاقة جديدة مع ما حدث. لكن هذا الفهم لا يصل بسهولة إلى الخطاب العام، الذي يفضل القصص الواضحة: بداية، أزمة، نهاية سعيدة. المشكلة أن الحياة النفسية لا تخضع لهذا التبسيط.

بعض الناس لا يعودون إلى نقطة الصفر بعد النجاة، بل يُدفعون إلى نقطة مختلفة بالكامل: وعي أعمق يقابله فقدان لقدر من الطمأنينة. كأنهم يربحون البصيرة، لكنهم يخسرون راحة الغفلة.وهنا يظهر الشكل الأكثر خفاء للألم: ليس في الحدث نفسه، بل في ما بعده الطويل الذي لا يشبه أي نهاية. الناجون بلا حياة كاملة ليسوا من فشلوا في العبور، بل من عبروا بطريقة لم تترك لهم حياة جاهزة للعودة. بعد النجاة، حتى أبسط وظائف العيش تصبح مجهدة: الهدوء، الطمأنينة، والإحساس باللحظة. كأن الحياة اليومية تحتاج إلى إعادة تشغيل داخل شخص تغير إيقاعه الداخلي.

ومن الأمثلة على ذلك ما يُعرف بفقدان المتعة (Anhedonia)، حيث يفقد الإنسان قدرته على الشعور بالمتعة تجاه ما كان يمنحه إحساسًا بالحياة، فيبدو كل شيء حاضرًا لكنه بلا أثر داخلي. الحقيقة الأقسى ليست في ما حدث، بل في ما يُتوقع من الناجي بعده: أن يكون بخير لأنه نجا. كأن النجاة توقيع على عقد غير مرئي يُلزم الإنسان بأن يبدو كاملًا من جديد، حتى لو لم يعد كذلك. لكن النجاة لا تعني دائمًا الشفاء، وأحيانًا لا تعني حتى العودة، بل تعني فقط الاستمرار بشكل مختلف حياة تُعاش من الخارج، بينما في الداخل شيء لم يعد كما كان، ولا أحد يعترف بأنه ما زال موجودًا بشكل مختلف.

وفي لحظة هادئة لا يراها أحد، يدرك الناجي أن حياته لا تُستعاد كما كانت، بل تُعاد كتابتها من مكان مختلف تمامًا… مكان لا يشبه البدايات ولا النهايات، بل يشبه الاستمرار فقط. ومع ذلك يستمر، ليس لأنه بخير، بل لأنه ما زال قادرًا على أن يكون هنا.

وفي هذا الامتداد الصامت من الحياة، لا تكون زيارة الطبيب النفسي ترفًا علاجيًا، بل ضرورة لفهم الإنسان نفسه ومحيطه حين تصبح النجاة وحدها غير كافية لتجعل الحياة قابلة للاستمرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى