مريم بدران تكتب : الاكتئاب ليس حزنا .. الاكتئاب كلب مسعور لا يعض الجلد، بل ينهش المعنى
لا يراك أحد، لا يسمعك أحد. وحدك تسمع النباح وترى الأسنان , ترى ما لا يراه الآخرون، وتسمع ما لا يريدون سماعه.
هناك فرق شاسع بين الاكتئاب كحالة عابرة ومرض الاكتئاب.
الأول طقس عابر، والثاني مناخ دائم. الأول غيمة، والثاني منجم مظلم تدفن فيه الأيام حية.
الاكتئاب معرفة مسمومة، رؤية زائدة عن الحاجة، ووعي بلا مخدر.
هو أن ترى العالم كما هو، لا كما يروج له.
حين تنزع الأقنعة، لا يبقى “الإنسان الطيب” ولا “المجتمع السوي”، بل سلسلة طويلة من التكرار:
مرض → خوف → استهلاك → تكاثر → موت.
ثم تعاد الدورة باسم الأمل.
في الاكتئاب ترى الزواج صفقة خوف، والإنجاب مقامرة بدم ليس دمك، والعمل قسطا شهريا تدفعه كي يسمح لك بالبقاء حيا.
ثم يأتونك بالنصائح: ابتسم. تأقلم. اشكر الله.
كأن المشكلة في تعبير وجهك، لا في النظام الذي يطحنك ثم يطالبك بالامتنان.
الاكتئاب المؤقت حالة عابرة يمر بها الإنسان بعد حدث صادم، يزول تدريجيا ولا يترك أثرا دائما على الدماغ أو القدرة على الحياة.
أما مرض الاكتئاب، فهو خلل بيولوجي مستمر، مرتبط باضطراب في النواقل العصبية وتنظيم التوتر، يغير كيمياء الدماغ ويعطل القدرة على الشعور باللذة
أو السيطرة على الألم النفسي، وليس مجرد حزن عابر.
الاكتئاب ليس أن تكره نفسك،
بل أن تفقد القدرة على احترام اللعبة نفسها ، تشاهد الناس يهرولون نحو الإنجاب كما لو أنه عمل أخلاقي، ينجبون ليقنعوا أنفسهم أن المعاناة تستحق الاستمرار، وكأن إضافة لاعبين جدد إلى ساحة الخسارة الجماعية فضيلة.
في مجتمعات تعاني أصلا من الفقر والقمع والديون والازدحام، يقدم التناسل كانتصـار، بينما هو، في نظر الاكتئاب،إعادة إنتاج منظمة للألم.
ليس كرها للأطفال، بل شفقة عليهم قبل وصولهم.
ومع ذلك ، ليس الاكتئاب نهاية الطريق،
ولا هو الحقيقة الكاملة، بل مرآة متسخة تظهر كل شيء أسود وتخفي إمكانية الضوء.
الاكتئاب يصرخ فيك: العالم فاسد، إذن استسلم ، لكن هذا الصراخ ليس وحيا، بل عرض.
عرض مؤلم، جارح، صادق أحيانا،
لكنه ليس حكما نهائيا.
هناك فرق يجب أن يقال بوضوح، بلا تجميل: فرقوا بين البلاء والابتلاء.
البلاء كسر بلا معنى، والابتلاء اختبار يحمل في داخله بابا، حتى إن كان الباب ضيقا، وحتى إن لم يفتح إلا بعد نزيف طويل.
عالجوا أنفسكم. نعم، عالجوا.
الطب النفسي ليس جنونا، هو طب يعالج ما لا يراه الآخرون، ما لا يظهر في الأشعة ولا في التحاليل، لكنه يدمر الحياة بصمت.
الذهاب إلى الطبيب النفسي شجاعة، ولو كرهه المجتمع، ولو سخر منه الجهلاء، ولو سمي ضعفا زورا.
وأصلحوا علاقتكم بالله رب الكون، الخالق الذي يقول للشيء كن فيكون،
الذي لا يعجزه شيء،
ولا يصغر أمامه وجعك مهما بدا تافها في عيون الناس.
الله ليس ضد العلاج، ولا ضد المقاومة،
ولا ضد السؤال ، الله ضد الاستسلام فقط.
هذه رسالة من صمام قلبي، لا من دفتر عزاء .
لا تدع أحدا يطفئ نورك، لا عائلتك، ولا مجتمعك، ولا بيئتك، ولا أي إنسان في أي دولة يملك الحق أن يقرر أنك انتهيت.
عن حياتي أنا أتكلم.
لا أحكي حكاية، بل أقدم شهادة ، شهادة جسد لم يسلم، وعقل حاولوا كسره، وروح أصروا على خنقها. لم يكن الهدف جسدي، بل عقلي.
محاولة منهجية لإعادة تشكيل الوعي،
لتشويه ما لا يرضخ، وكسر ما يرفض الانحناء .
خرجت من عمق معتم، لا كمن يولد،
بل كمن يُنتزع من الظل.
كنت جمالا غير مريح، حضورا يفضح النقص في الآخرين، فكان لا بد من تشويهه، إطفاء نوره، تفكيك صورته،
ومحاولة استباحة الجسد كآخر وسيلة للسيطرة.
لم يكن ذلك شغفا، بل غيرة.
لم يكن قوة، بل انحرافا متنكرا في هيئة سلطة.
هذه ليست رواية، ولا ادعاء ، هذا توصيف دقيق لما حدث.
بعدها، لم يبق إلا الإرهاق كحالة دائمة،
والتعب كبنية داخلية، والمرض كرفيق، والهروب كاستراتيجية بقاء.
تهربين من الأرض لا بحثا عن وطن،
بل فرارا من الرفض، فتكتشفين أن المنفى لا يبدأ عند الحدود، بل عند أول نظرة لا تعترف بك.
حتى حين لا يقال الرفض صراحة،
يقال بطريقة أخرى،أوضح، وأقسى.
تمر الدقائق، وتفكرين في إنهاء حياتك،
لا لأنك ضعيفة، بل لأن الألم أصبح أعلى من الاحتمال.
ومع ذلك، تعلمين يقينا أن الحياة ستستمر بك أو بدونك، وأنك قد تتحولين إلى مجرد حالة، رقم، خبر عابر …
قد تذكرين، وقد تطمسين، وقد تستعملين رأيا عاما، ثم تنسين.
انسوا العالم. نعم، انسوه.
فكروا بأنفسكم.
إن لم تفكر العائلة فيكم، فكروا أنتم في أنفسكم.
أنقذوا ما تبقى من أرواحكم قبل أن يتحول الصمت إلى قبر.
فكروا في الله،
لا الله المعلق على الجدران، بل الله الحي.
الله الذي لا يعطي أقسى المعارك
إلا لأقوى جنوده.
الله الذي يرى ما لا يراه البشر،
ويعرف كم نزفت وأنت واقفة.
الله الذي وعد بالإجابة، الذي يمهل ولا يهمل.
الله العادل، إن لم تجد العدل في دنيا الابتلاء، فستجده في دار الجزاء،
حيث لا ظل ولا ظلم، وحيث يجزى كل مجاهد، وصابر، وصامد.
لا تتركوا هذا الكلب المسعور
ينهشكم من الداخل، ولا تسمحوا له أن يتكلم باسمكم.
نحن في دنيا ابتلاء، دار اختبار لا دار ضمان.
لا أحد يملك وعد الغد، لكننا نملك خيارا واحدا اليوم،
خيارا وحيدا، عنيدا : ألا نستسلم.




