
هبة محمد
لم يكن المشهد الختامي لزيارة الوفود الإعلامية العربية والدولية إلى المغرب مجرد محطة بروتوكولية عابرة، بل لحظة رمزية تختزل فلسفة مغربية خاصة في التعامل مع الإعلام وصنّاعه. ففي وداع اتسم بالدفء والاعتزاز، تقدّم إدريس شحتان، رئيس الجمعية الوطنية للناشرين، لتوديع الضيوف بكلمات حملت أكثر من معنى، ورسائل تجاوزت حدود المناسبة نحو أفق أوسع عنوانه: الإعلام شريك، والناشر ركيزة، والمغرب ذاكرة لا تُنسى.
كان الوداع هذه المرة مرآة لصورة بلد يعرف كيف يحسن الاستقبال، ويجيد التنظيم، ويتقن صناعة الأثر الإنساني قبل المهني. غادرت الوفود وهي تحمل في ذاكرتها تجربة متكاملة، لم تختزل في التغطية الصحفية فقط، بل امتدت إلى معايشة نموذج مغربي في الدبلوماسية الإعلامية قوامه الاحترام، والاحتراف، والاعتزاز بالهوية.
ومن هذا المشهد الإنساني، ينفتح المشهد الأوسع على تحولات عميقة يشهدها قطاع الإعلام في المغرب، حيث لم تعد الجمعية الوطنية للناشرين مجرد إطار مهني تقليدي، بل تحولت إلى فاعل مركزي في ورش إصلاح وطني هادئ وعميق، يسعى إلى إعادة ترتيب البيت الصحفي، وبناء توازن دقيق بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، وبين الاستقلالية والاستدامة الاقتصادية.
في زمن تتقاطع فيه التحولات الرقمية مع الإكراهات الاقتصادية وتحديات المصداقية، فرضت الجمعية نفسها رقماً صعباً في معادلة الإصلاح الإعلامي، بفضل رؤية واضحة اختارت منطق البناء المؤسساتي بدل منطق ردود الفعل الظرفية، واضعة في صلب أولوياتها حماية الناشر، وتنظيم القطاع، والارتقاء بجودة المحتوى الصحفي.
وفي قلب هذا الحراك، يبرز إدريس شحتان باعتباره صوت الناشرين في المحافل الرسمية وواجهة الجمعية في القضايا الكبرى. فقد نجح في توجيه بوصلة العمل المهني نحو رؤية استراتيجية تقوم على التنظيم الذاتي والاستقلالية، والدفاع الصريح عن كرامة الناشر، وإدارة الحوار مع المؤسسات الرسمية بروح الشراكة لا التبعية، واتخاذ مواقف واضحة في ملفات الدعم والإشهار والتنظيم المهني.
وقد تميزت رئاسته بنهج الحزم المسؤول، حيث لا مجاملة حين يتعلق الأمر بمستقبل المهنة، ولا تصعيد غير محسوب عندما تكون مصلحة القطاع في التهدئة والحوار، في معادلة دقيقة بين الجرأة والحكمة.
وإلى جانب هذا الدور القيادي، تضطلع الهام البطش، المديرة التنفيذية للجمعية، بدور محوري في تحويل الرؤية إلى واقع ملموس، عبر قيادة العمل التنفيذي اليومي، ومواكبة البرامج والمشاريع، وتنزيل التوصيات إلى أنشطة عملية. فهي حلقة الوصل بين القرار والتنفيذ، وبين الطموح المهني ومتطلبات الميدان.
وتتجلى بصمتها في تنظيم برامج التكوين والتأهيل المهني، وإطلاق اللقاءات والندوات والورشات، وتعزيز التواصل مع الناشرين والمؤسسات الإعلامية، بما ضخ دينامية جديدة داخل العمل الجمعوي، قائمة على الاحتراف والانفتاح وسرعة التفاعل مع المستجدات.
وتحت إشراف هذه القيادة المتناغمة، راهنت الجمعية الوطنية للناشرين على تأهيل الموارد البشرية، ومواكبة التحول الرقمي، وحماية المحتوى الصحفي، والدفاع عن حقوق الناشرين في البيئة الرقمية، في رهان استراتيجي يضع الناشر المغربي في قلب المستقبل بدل هامشه.
هكذا، ومن لحظة وداع إنسانية مؤثرة إلى مشروع وطني لإصلاح الإعلام، ترسم الجمعية الوطنية للناشرين ملامح مرحلة جديدة في تاريخ الصحافة المغربية، مرحلة تؤكد أن مستقبل المهنة لا يُترك للصدفة، بل يُصنع بالإرادة، والرؤية، والعمل الجماعي المسؤول




