منصات التوظيف الذكية تعزز الفجوة بين الجنسين.. وأكثر من خمس العاملين يصابون في قطاعات تحكمها

كتبت:إيمان خالد خفاجي
يشهد العالم حالياً انفجاراً استثمارياً غير مسبوق في تقنيات الذكاء الاصطناعي، حيث تشير تقديرات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أونكتاد) إلى قفزة مرتقبة بمقدار 25 ضعفاً خلال العقد المقبل؛ فمن 189 مليار دولار في عام 2023، يُتوقع أن تصل الاستثمارات إلى نحو 4.8 تريليون دولار بحلول عام 2033. هذا التدفق المالي الهائل دفع المؤسسات الكبرى إلى تبني هذه التقنيات في قطاع الموارد البشرية كأولوية استراتيجية، ظناً منها أنها ستمثل “العصا السحرية” لإنهاء التحيز البشري وتحقيق عدالة التوظيف والأجور.
صدمة الواقع وزيف الوعود الرقمية
على نقيض الحماسة المفرطة، كشفت دراسة حديثة لمنظمة العمل الدولية بعنوان «الذكاء الاصطناعي في إدارة الموارد البشرية: حدود التجريبية» عن واقع مغاير؛ إذ لم تحقق نصف الشركات الكبرى التي استثمرت في هذه الأنظمة القيمة الفعلية المرجوة. وبدلاً من الشفافية، برزت مشكلات أخلاقية وقانونية معقدة، حيث تتركز بيانات الأجور والرواتب في يد قلة من الشركات التقنية الكبرى، مما يخلق بيئة خصبة لما يُعرف بـ “التمييز في الأجور الخوارزمي”، والذي يستغل سلوكيات العمال وقبولهم بظروف قاسية لإعادة إنتاج الفقر والتمييز بشكل آلي يصعب تتبعه.
تكريس الفجوة بين الجنسين والقوالب النمطية
حذرت المنظمة من أن الخوارزميات، بدلاً من معالجة الفجوة التاريخية في الأجور بين الجنسين، أصبحت تكرسها؛ فالأنظمة الذكية تتعلم من البيانات التاريخية التي تظهر قبول النساء لأجور أقل، فتعيد تقديم عروض منخفضة لهن تلقائياً. ويمتد هذا التحيز إلى قطاع الإعلانات الوظيفية، حيث أظهرت تجارب على منصات كبرى مثل “ميتا” أن الخوارزميات تحرم النساء من رؤية إعلانات وظائف العلوم والتكنولوجيا (STEM) لصالح الرجال بذريعة خفض تكلفة الاستهداف، بينما توجّه النساء نحو مهن تقليدية كالتمريض والسكرتارية، ما يرسخ القوالب النمطية تحت غطاء الحداثة التقنية.
ألعاب التوظيف واختزال الكفاءة البشرية
أصبحت عملية التوظيف الحديثة تعتمد بشكل مفرط على بيانات حساسة، تشمل السجلات الائتمانية والنشاط الاجتماعي، وصولاً إلى استخدام “ألعاب رقمية” لتقييم سمات الشخصية. وتنتقد منظمة العمل الدولية هذه التوجهات، مشيرة إلى أن تقييم الكفاءة بناءً على تكرار كلمات مفتاحية في المقابلات المسجلة أو السير الذاتية — كما حدث في تجربة مجلس الخزانة الكندي — يختزل القدرات البشرية المعقدة في مفردات لغوية جامدة، مما يقصي الكفاءات التي لا تتقن “لغة الخوارزمية”.
السرعة الرقمية تهدد السلامة الجسدية
لا تتوقف مخاطر الرقمنة عند التمييز، بل تمتد لتطال السلامة البدنية؛ ففي قطاعات اللوجستيات والإنتاج، أدى الاعتماد على الخوارزميات لتحديد وتيرة العمل إلى ارتفاع معدلات الإصابات المهنية لتتجاوز 20%، وهو ما يعني إصابة أكثر من خمس العاملين في هذه البيئات. وتؤكد هذه الأرقام أن فرض “السرعة الرقمية” دون مراعاة للحدود الجسدية والنفسية يحول التكنولوجيا إلى أداة ضغط وإقصاء، ما لم يتم إشراك العمال في تصميم هذه الأنظمة لضمان وضعها في خدمة الإنسان لا استغلاله.




