«دبلوماسية الريش.. حين تعلمتُ السياسة من طاووس في جنيف»

بقلم: عبد الوهاب خضر
المستشار الإعلامي لوزارة العمل
منذ أكثر من عشرة أعوام، وفي بهو أنيق بمقر منظمة العمل الدولية بالأمم المتحدة في جنيف، حيث تتجاور لغات العالم دون أن تتشاجر، وحيث تُدار قضايا البشر بأربطة عنق رسمية ونظرات محسوبة، التقيتُ بطاووس.
لم يكن لقاءً مدرجًا على جدول الأعمال، ولا ورد في محضر جلسة، ولم يُترجم فوريًا إلى اللغات الست المعتمدة، لكنه كان – على نحوٍ ما – أهم من كثير من الخطب التي أُلقيت في القاعات المجاورة.
كان الطاووس واقفًا هناك في هدوء دبلوماسي محسوب، لا يرفع صوته ولا يوقّع اتفاقيات، ومع ذلك كان حاضرًا أكثر من الجميع ، جماله لا يحتاج إلى مترجم، وريشه لا يخضع لمعايير التقارير الدورية، وخطواته الواثقة لا تعرف التردد ولا المجاملات البروتوكولية. اقتربتُ منه بحذر، كما يقترب موظف مبتدئ من مسؤول دولي رفيع، فبادلني نظرةً فيها شيء من التعالي الأنيق، وشيء من الحكمة القديمة التي تقول: «أنا هنا قبل أن تتفقوا ، وسأبقى بعد أن تختلفوا».
الطاووس لا يعمل في السياسة، لكنه يتقنها.. يعرف متى يفرد ريشه ومتى يطويه، متى يستعرض ومتى ينسحب في صمت، وكأنه يلقننا درسًا غير مكتوب عن فن الظهور… وفن الاختفاء. ولو كان للطاووس برنامج سياسي، لارتكز على مبادئ واضحة: الحضور بلا صخب، والقوة بلا تهديد، والجمال دون ادعاء. لا يهاجم، لكنه لا يسمح بتجاهله؛ لا يفرض رأيه، لكنه يفرض احترامه. يدرك أن السياسة – مثل ريشه – ليست في الكثرة، بل في التناسق، وليست في الصوت المرتفع، بل في التوقيت الصحيح.
فالطاووس سياسي بالفطرة، يؤمن أن الهيبة لا تُصنع بالضجيج، وأن التأثير الحقيقي يبدأ من الصورة… ثم يكتمل بالصمت. راقبته طويلًا، وراودتني فكرة ساخرة: لو تولى الطاووس إدارة بعض الجلسات، لانتهت الخلافات مبكرًا؛ فالجمال – حين يكون صادقًا – يربك الجدل، ويجعل الضجيج يبدو فجًّا.
في مقر تُناقش فيه حقوق العمال، والعدالة الاجتماعية، وتوازن المصالح، كان الطاووس العامل الوحيد الذي لا يشكو، لا يطالب، لا يحتج… لكنه، في الوقت نفسه، لا يتنازل عن حقه في البهاء.
غادرتُ المكان بعد ذلك اللقاء، وبقي الطاووس… ربما لا يزال هناك حتى الآن، يراقب العالم من زاويته، يبتسم بسخرية ناعمة، ويقول في سره: «أنتم تبحثون عن التوازن في القرارات… وهو مخلوق عندي في ريشة».
ومنذ ذلك اليوم، كلما رأيتُ استعراضًا بلا مضمون، تذكرتُ الطاووس في جنيف… وكلما رأيتُ جمالًا صامتًا، أدركتُ أن الحكمة أحيانًا لا تتكلم، بل تمر أمامك مزهوة، وتترك لك حرية الفهم.




