مصر

في المشمش”.. من قلب القليوبية خرجت الحكاية.. قرية العمار تروي سر المقولة الأشهر في مصر

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

في المشمش”.. جملة تتردد يوميًا على ألسنة المصريين للتعبير عن شيء بعيد المنال أو صعب التحقق، لكن كثيرين لا يعرفون أن وراء هذه المقولة حكاية حقيقية ولدت داخل قرية العمار التابعة لمركز طوخ بمحافظة القليوبية، القرية التي اشتهرت منذ عقود بإنتاج أجود أنواع المشمش في مصر، حتى أصبح محصولها يعرف بين الأهالي بـ”الثمرة الذهبية”، واعتمدت عليه أجيال كاملة كمصدر رزق أساسي وموسم ينتظره الجميع من عام إلى آخر.

ويقول المزارعون إن أصل مقولة “في المشمش” يعود إلى زمن كان فيه أهالي القرية يعتمدون بشكل كامل على موسم حصاد المشمش في تلبية احتياجاتهم الأساسية، سواء تجهيز الأبناء للزواج، أو بناء المنازل، أو شراء مستلزمات الأسرة بالدين، على أن يتم السداد فور بيع المحصول. ومن هنا كان الجميع يؤجل الحساب إلى موعد معروف وهو “في المشمش”، لتتحول العبارة مع مرور الوقت إلى مثل شعبي متداول في مختلف أنحاء مصر.

ويؤكد محمد عطية أبو زيد، أحد أقدم مزارعي القرية، أن مشمش العمار يتمتع بسمعة خاصة في جميع محافظات الجمهورية، موضحًا أن ما يميزه هو زراعته الطبيعية دون الاعتماد على المبيدات أو الأسمدة الكيماوية، إذ يتم تسميده بالمواد العضوية فقط، وهو ما يمنحه مذاقًا ورائحة مميزين يصعب الخلط بينهما وبين أي نوع آخر.

وأضاف أن مشمش العمار يمكن التعرف عليه بسهولة، لأن أحجام ثماره ليست موحدة، وتختلف من شجرة لأخرى، بعكس بعض الأنواع الأخرى التي تتميز بتجانس الشكل والحجم، وهو ما جعل تجار الفاكهة والمستهلكين يطلبونه بالاسم عامًا بعد عام.

ورغم الشهرة الكبيرة التي يتمتع بها المحصول، فإن موسم المشمش لا يستمر سوى نحو شهر واحد فقط، بداية من انطلاق الحصاد وحتى نهايته، وهو ما دفع الأهالي لإطلاق لقب “الفاكهة العزيزة” عليه، نظرًا لقصر مدة ظهوره وارتفاع الطلب عليه خلال هذه الفترة.

ولا تزال قرية العمار تحتفظ بأشجار مشمش يزيد عمر بعضها على 100 عام، ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد، وتحمل هذه الأشجار أسماء خاصة ارتبطت بالعائلات التي قامت بزراعتها، مثل فاطمة وقاسم وأبو زيد وعبيد وعبد الحليم، ولكل شجرة خصائصها التي تميز شكل الثمرة وطعمها وحتى لونها.

ومع بداية كل موسم، تتحول “سويقة المشمش” في القرية إلى خلية نحل يومية، حيث يبدأ المزارعون في جمع المحصول بعد ارتفاع الندى عن الثمار، ثم يتوجهون مباشرة إلى السوق الذي يشهد مزادًا مفتوحًا بين التجار. ويحصل صاحب أعلى سعر على الكمية المعروضة، قبل أن تبدأ مرحلة التعبئة داخل صناديق تحمل اسم “مشمش العمار”، لتتجه بعدها إلى مختلف محافظات الجمهورية، حاملة معها تاريخًا طويلًا من الزراعة والتراث الشعبي المصري.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى