محمد الكعبي يكتب.. توظيف الدين بين التدجين والتفكير

كتبت: أية أحمد
يُعد استثمار الدين من قِبل الفاعل السياسي أداةً نافعة في تحقيق المآرب والمصالح، رغم ما يحيط بهذا الاستثمار من تعقيد لكونه يمسُّ الأبعاد الغيبية والنفسية والعاطفية لدى الإنسان، لذا، كانت هذه العلاقة من أكثر المسائل إثارةً للجدل، ودخلت في مساحات صراعية واسعة أُريقت بسببها الدماء، لما يحمله الدين من سلطة رمزية وأخلاقية وروحية قادرة على التأثير العميق في الجماهير، وتغيير مساراتهم الفكرية وسلوكياتهم،
وعندما تلتقي السياسة بأدواتها القادرة على تطويع الجماهير —مستغلةً السلطة والنفوذ والإعلام— مع الفكرة الدينية، ينشأ تداخلٌ قد يكون عامل بناء واستقرار، أو يتحول إلى وسيلة للهيمنة والانقسام والابتزاز، بحسب طبيعة الاستخدام وحدوده الأخلاقية والقانونية.
جوهر الاختلاف بين المنظومتين
إنّ الأصل في الدين أنه منظومة قيمية وأخلاقية تهدف إلى تهذيب النفس وتحقيق العدالة وصيانة كرامة الإنسان، بينما تقوم السياسة —في جانبها الإجرائي— على إدارة المصالح وبسط النفوذ وتنظيم شؤون الدولة، غير أنّ بعض القوى السياسية تلجأ إلى توظيف الدين لتعزيز شرعيتها، أو تحصين مواقعها من النقد عبر إضفاء طابع (المقدّس) على قراراتها وخطاباتها، بل وحتى على شخوصها؛ وهنا يتحول الدين من قوة أخلاقية جامعة إلى أداة صراع وتقسيم.
أبرز مظاهر الاستثمار السياسي للدين:
• تقديس الزعامات: ربط الشخصيات السياسية بـ (عصمة معنوية) بحيث يُصبح نقدها خروجاً عن الملة أو الهوية، مما يعطل العقل النقدي ويصنع جيلاً عاجزاً عن التفكير، يسير خلف (المقدّس) حتى وإن كان فعله (مدنساً).
• التعبئة الانتخابية: استثارة المشاعر المذهبية لكسب الأصوات بدل التركيز على البرامج الواقعية والكفاءة الإدارية.
• توظيف الرموز والشعائر: تحويل المقدسات إلى أدوات استقطاب حزبي في الصراعات السياسية.
• احتكار التفسير الديني: تقديم الجهة نفسها كمتحدث حصري باسم السماء، ووصم الآخرين بالشيطنة أو المروق، مما يبرر إقصاء المخالفين معنوياً وجسدياً.
• تغطية الفشل السياسي: استخدام النصوص لتبرير الإخفاقات أو صرف الأنظار عن الفساد، وهي الكارثة التي حذر منها الخالق حين أمر عباده بالتدبر والتعقل.
التمييز الضروري: الاستلهام مقابل الاستثمار.
لا يمكن اختزال علاقة الدين بالسياسة في الجانب السلبي فقط؛ فقد كان الدين تاريخياً وقوداً لحركات التحرر والعدالة، لذا يجب التفريق بين:
1. الاستلهام القيمي: توظيف المبادئ كالعَدالة والنزاهة في خدمة الشأن العام.
2. الاستثمار المصلحي: استخدام المقدّس لتحقيق مكاسب سلطوية ضيقة.
إنّ الخلط بينهما يؤدي إلى إضعاف مفهوم المواطنة، وتعميق الانقسامات، وفقدان الثقة بالمؤسستين الدينية والسياسية معاً عند فشل التجربة.
طريق المعالجة:
تتطلب مواجهة هذه الإشكالية خطوات جادة، أهمها:
• ترسيخ الوعي المجتمعي والتفكير النقدي لدى الأفراد.
• الفصل التام بين قداسة الدين وبين أداء السياسيين؛ فهم يمثلون ذواتهم لا الإرادة الإلهية.
• بناء دولة المؤسسات والقانون التي تقوم على المواطنة لا المكونات.
• حماية الخطاب الديني من التوظيف الحزبي، والعناية بالمؤسسة التعليمية والأسرة كحجر زاوية في بناء الإنسان.
إنّ أخطر ما في تسييس الدين هو تحويل الخلاف السياسي (البشري) إلى صراع مقدّس (إلهي)؛ لأن الصراعات المغلفة بالدين تصبح أكثر حدّة وأقل قابيلة للتسوية.
إنّ الحفاظ على هيبة الدين يقتضي إبقاءه منبعاً للإصلاح القيمي، لا أداةً للصراع على الكراسي، وعلى النخب الواعية تحمل مسؤوليتها التاريخية لحماية الدين من (دنس) المصالح الضيقة.



