الرئيسيةمقالات الرأي

مريم بدران تكتب : عالم تحت الضغط: حين تتحول السياسة إلى إدارة أزمات دائمة

 

المغرب .. بقلم : الكاتبة الصحفية : مريم بدران 

العالم اليوم لا يتحرك بهدوء، بل كأنه يعيش داخل “غرفة محركات” ضخمة لا تتوقف عن الاشتعال. الجيوسياسة لم تعد مجرد علاقات بين دول على الورق، بل تحولت إلى ساحة صراع مفتوحة، تُدار فيها المصالح بالنار، وبالضغط الاقتصادي، وبإعادة تفكيك التحالفات، بينما يدفع البشر الثمن في أماكن لا تصل دائمًا إلى العناوين الأولى.

في أوروبا الشرقية، ما بدأ كتصعيد سياسي تحول إلى نقطة تحول حادة في هذا القرن عبر الغزو الروسي لأوكرانيا. لم تعد الحرب تخص دولتين فقط، بل أعادت رسم خريطة الأمن الأوروبي، ودفعت بأسواق الطاقة والغذاء إلى اضطراب عالمي، وفتحت باب سباق تسلح صامت يتصاعد خلف الخطابات الرسمية.

وفي الشرق الأوسط، يبدو المشهد أكثر احتراقًا وتعقيدًا. الحرب في قطاع غزة، ضمن الحرب بين إسرائيل وحماس، ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل أزمة إنسانية وسياسية تعيد تشكيل المزاج الدولي، وتكشف انقسامات عميقة داخل النظام العالمي، بين خطاب معلن عن القيم، وحسابات غير معلنة تتحكم في اتجاه القرار.

في هذا السياق، لا يمكن تجاهل التوتر المتصاعد مع إيران، الذي يمثل أحد أخطر محاور التصعيد في الشرق الأوسط. فإيران لا تتحرك كدولة منفردة فقط، بل عبر شبكة نفوذ إقليمي تمتد إلى عدة ساحات، ما يجعل أي صراع معها قابلًا للاتساع بسرعة. بالنسبة للولايات المتحدة، يرتبط موقفها بإسرائيل بتحالف استراتيجي عميق، يظهر بوضوح في دعمها المستمر لها، سياسيًا وعسكريًا، وفي سعيها لحمايتها في كثير من المحافل الدولية.

غير أن هذا الدعم لا يقوم على اعتبارات عاطفية، بل على تقاطع مصالح، حيث ترى واشنطن في إسرائيل شريكًا أساسيًا في تثبيت نفوذها في المنطقة، وتأمين توازن قوى يخدم مصالحها الاستراتيجية، خاصة في مواجهة إيران ومنع صعودها كقوة إقليمية مهيمنة.

أما إسرائيل، فتنظر إلى إيران كتهديد مباشر، وتسعى إلى إضعاف قدراتها، خصوصًا في ما يتعلق ببرنامجها النووي، ومنعها من ترسيخ وجود عسكري قريب من حدودها. وبين هذه الأهداف المتداخلة، تبقى المنطقة في حالة توتر دائم، حيث تُدار المواجهة غالبًا بشكل غير مباشر، عبر صراعات بالوكالة وضربات محسوبة، مع بقاء احتمال الانفجار قائمًا في أي لحظة.

إلى الجنوب، في السودان، تتحول الدولة إلى ساحة انهيار تدريجي عبر الحرب الأهلية السودانية. لا يوجد خط مواجهة واضح، بل تفكك داخلي متعدد الأطراف، يخلق واحدة من أكبر أزمات النزوح، ويهدد استقرار منطقة كاملة، بينما تمتد آثاره بصمت إلى الدول المجاورة، في صورة ضغط اقتصادي وأمني متصاعد.

لكن ما يظهر على السطح ليس كل ما يحدث. خلف هذه الحرائق، هناك طبقة أعمق من الصراع، أكثر هدوءًا، وأكثر شراسة. التنافس بين الولايات المتحدة والصين وروسيا لم يعد مجرد خلافات دبلوماسية، بل إعادة توزيع بطيئة لمراكز القوة، عبر التكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والطاقة، والنفوذ الممتد في أفريقيا وآسيا، وحتى في الفضاء الرقمي الذي يعاد تشكيله بعيدًا عن أعين الجمهور.

هذه ليست أحداثًا منفصلة، بل شبكة ضغط مترابطة: حرب ترفع أسعار الغذاء في قارة أخرى، عقوبات تعيد رسم طرق التجارة، وصراع نفوذ يحوّل الدول الأصغر إلى مساحات اختبار مفتوحة. كل شيء متصل، وكل تحرك في نقطة ما، يُحدث ارتدادًا في نقاط أخرى.

والأكثر قسوة أن الإنسان العادي لا يشارك في صناعة القرار، لكنه يعيش نتائجه بالكامل: في سعر الوقود، في هشاشة العمل، في موجات الهجرة، وفي إعادة تشكيل تفاصيل حياته اليومية، دون أن يغادر مكانه. يتحول إلى متلقٍ دائم لأثر قرارات لم يكن جزءًا منها.

الجيوسياسة اليوم لم تعد مجرد تحليل للعلاقات الدولية، بل توصيف دقيق لعالم يعمل تحت ضغط دائم. الهدوء لم يعد حالة مستقرة، بل فاصل قصير بين موجتين من التوتر. وما يبدو استقرارًا، قد يكون مجرد إعادة ترتيب مؤقتة لمرحلة أكثر حدّة.

يبقى السؤال الأكثر إلحاحًا: هل ما نراه هو فعلاً كل ما يحدث؟ أم أن هناك طبقات أخرى من الترتيب والتوجيه تُدار في الكواليس، حيث تُصاغ القرارات الكبرى قبل أن تظهر نتائجها على السطح؟

في عالم كهذا، لا يتجه المسار نحو هدوء قريب، بل نحو مزيد من التشابك وإعادة تشكيل موازين القوة. وبينما تتغير خرائط النفوذ، يظل الثابت الوحيد أن الإنسان العادي هو الحلقة الأكثر تأثرًا، والأقل قدرة على التحكم. وهنا لا يعود السؤال: أين ستندلع الأزمة القادمة؟ بل: إلى أي حد يمكن لهذا العالم أن يستمر في العمل داخل غرفة محركات مشتعلة، دون أن يحترق بالكامل؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى