مقالات الرأي

د . عادل عامر يكتب : هل يجوز فرض رسوم عبور بمضيق هرمز في ضوء القانون الدولي العام

كتبت: أسماء أحمد

  1. يُعد مضيق هرمز من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مصنّف قانونيًا كمضيق يُستخدم للملاحة الدولية وفقًا لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي تكرّس مبدأ حرية المرور العابر (Transit Passage) في المضائق الدولية

 وبناءً على ذلك، لا يجوز للدول المشاطئة للمضيق، بما فيها إيران، فرض رسوم على السفن لمجرد عبورها، طالما كان المرور متوافقًا مع قواعد الملاحة الدولية.

 

في ظل التصعيد العسكري الراهن واتساع رقعة النزاع بين إيران من جهة، والولايات المتحدة والكيان الصهيوني من جهة أخرى، برزت تهديدات إيرانية بإغلاق مضيق هرمز أو فرض رسوم عبور مرتفعة على السفن المارة عبره، قد تصل إلى مليوني دولار للسفينة الواحدة. ويثير هذا الطرح تساؤلات قانونية مهمة تتعلق بمدى مشروعية فرض مثل هذه الرسوم في ضوء قواعد القانون الدولي.

 

  ومن هنا، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل الإطار القانوني المنظم للمضائق الدولية، وبيان مدى قانونية الإجراءات التي قد تتخذها إيران في هذا السياق، مع التركيز على تطبيقات اتفاقية قانون البحار على حالة مضيق هرمز.

 

أولاً: التعريف بمضيق هرمز

 

يُعدّ مضيق هرمز من أهم المضايق البحرية في العالم، إذ يربط بين الخليج العربي وبحر عُمان ثم المحيط الهندي، ويشكّل شريانًا حيويًا للملاحة الدولية، خاصة في مجال نقل النفط والغاز. ويقع المضيق بين إيران من الشمال وسلطنة عُمان من الجنوب، ويبلغ عرضه نحو (26) ميلًا بحريًا، ما يجعله من المضايق الضيقة ذات الأهمية الاستراتيجية العالمية.

 

يُصنّف المضيق قانونيًا ضمن المضايق المستخدمة للملاحة الدولية وفق قواعد القانون الدولي للبحار، نظرًا لربطه بين منطقتين من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، واستخدامه المكثف من قبل السفن التجارية والعسكرية.

 

ثانياً: القضايا الفنية (الجغرافية والملاحية) للمضيق

 

تتمثل القضايا الفنية لمضيق هرمز في مجموعة من الخصائص التي تؤثر على طبيعته القانونية والعملية، ومن أبرزها:

 

1. الضيق الجغرافي: يبلغ عرض المضيق (26) ميلًا بحريًا، في حين تمتد المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان لمسافة (12) ميلًا بحريًا لكل منهما، أي ما مجموعه (24) ميلًا بحريًا.

 

2. المياه المتاخمة: يتبقى نحو (ميلين بحريين) خارج نطاق المياه الإقليمية، تُعد مياهًا متاخمة، ولا تخضع لنفس القيود المفروضة على المياه الإقليمية.

 

3. خطوط الملاحة الدولية: تمر أغلب السفن عبر الجانب العماني من المضيق، بسبب عمق المياه وقصر المسافة، ما يجعله المسار الأكثر أمانًا وكفاءة.

 

4. الأهمية الاستراتيجية : يُعد المضيق نقطة اختناق بحرية (Chokepoint)، مما يجعله عرضة للتوترات السياسية والعسكرية، خصوصًا في أوقات النزاعات.

 

ثالثاً: الجوانب القانونية لمضيق هرمز

 

      يخضع مضيق هرمز لأحكام اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار 1982، والتي نظّمت النظام القانوني للمضايق الدولية، ومنحت السفن حقًا أساسيًا يُعرف بـ( حق المرور العابر)

 

 (Transit Passage).

 

ويترتب على هذا التصنيف ما يلي:

 

• جميع السفن، سواء كانت تجارية أو عسكرية، تتمتع بحرية المرور عبر المضيق.

 

• لا يجوز للدول المشاطئة (إيران وسلطنة عُمان) تعطيل هذا المرور.

 

• لا يجوز فرض رسوم على السفن لمجرد العبور.

 

هل يجوز فرض رسوم عبور؟

 

من الناحية القانونية:

 

– لا يجوز لإيران فرض رسوم على السفن العابرة لمضيق هرمز لمجرد المرور.

 

– يجوز فرض رسوم فقط في حالات محددة، مثل:

 

تقديم خدمات فعلية (الإرشاد الملاحي، الإنقاذ، المساعدة البحرية).

 

رابعاً: النصوص القانونية الحاكمة

 

-1 المادة (37) – نطاق التطبيق

 

تنص على أن أحكام المضايق تنطبق على المضايق المستخدمة للملاحة الدولية بين منطقتين بحريتين دوليتين، وهو ما ينطبق تمامًا على مضيق هرمز.

 

-2 المادة (38) – حق المرور العابر

 

تؤكد أن:

 

• جميع السفن والطائرات تتمتع بحق المرور العابر.

 

• لا يجوز إعاقة هذا الحق .

 

-3 المادة (44) – عدم الإعاقة

 

تنص على أنه:

 

• لا يجوز للدول المشاطئة للمضيق عرقلة المرور.

 

• يجب ضمان استمرار الملاحة الدولية

 

تؤكد هذه النصوص على أن المضيق لا يخضع لسيادة مطلقة للدولة الساحلية، رغم وقوعه جزئيًا ضمن مياهها الإقليمية.

 

خامساً: التكييف القانوني مقابل الموقف السياسي

 

-1 الموقف القانوني

 

• مضيق هرمز = مضيق دولي

 

• النظام القانوني = المرور العابر

 

• لا يجوز فرض رسوم عبور

 

2 -الموقف السياسي

 

رغم وضوح القاعدة القانونية، فإن إيران:

 

• لوّحت في أوقات التوتر بإغلاق المضيق .

 

• هدّدت بفرض رسوم عبور .

 

• استندت إلى مفهوم السيادة على المياه الإقليمية .

 

إلا أن هذه المواقف لا تستند إلى أساس قانوني صريح في القانون الدولي.

 

سادساً: التمييز بين “المرور العابر” و“المرور البريء”

 

• المرور البريء: يطبّق في المياه الإقليمية، ويمنح الدولة الساحلية صلاحيات أوسع.

 

• المرور العابر : يطبّق في المضايق الدولية، وهو أكثر حرية ولا يسمح بفرض قيود أو رسوم.

 

  يجمع المجتمع الدولي على أن مضيق هرمز يخضع لنظام المرور العابر وليس المرور البريء.

 

سابعاً: نتائج البحث

 

من خلال التحليل القانوني والفني يمكن استخلاص النتائج التالية:

 

1. يعد مضيق هرمز ممرًا دوليًا مفتوحًا للملاحة العالمية.

 

2. يخضع المضيق لأحكام اتفاقية قانون البحار لعام 1982.

 

3. لا يجوز فرض رسوم عبور على السفن إلا مقابل خدمات فعلية.

 

4. أي محاولة لفرض رسوم عامة تُعد مخالفة للقانون الدولي.

 

5. التهديدات بإغلاق المضيق أو فرض رسوم تمثل مواقف سياسية أكثر منها قانونية.

 

6. في حالات النزاعات المسلحة، قد تتأثر القواعد القانونية، إلا أن ذلك لا يلغي الإطار القانوني الدولي، بل يؤدي إلى خروقات له.

 

أن فكرة فرض رسوم على العبور ارتبطت بتصورات تتحدث عن “رسوم تأمين” مقابل السماح لبعض السفن بالمرور، بينما تؤكد أطراف إقليمية، بينها سلطنة عُمان، أن مضيق هرمز يخضع لاتفاقيات دولية تضمن حرية الملاحة دون فرض رسوم عبور.

 

وفي المقابل، تتمسك دول الخليج بمبدأ حرية المرور الكامل باعتبار المضيق ممرا استراتيجيا لا يحتمل أي قيود إضافية.

 

وعلى مستوى القانون الدولي، تنص اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار على عدم جواز فرض رسوم على حق المرور نفسه، مع السماح فقط برسوم مقابل خدمات محددة مثل الإرشاد الملاحي أو خدمات الموانئ، وبما يضمن عدم التمييز بين السفن.

 

ويُميز القانون بين المضائق الطبيعية والقنوات الصناعية، حيث تُفرض الرسوم عادة في القنوات المحفورة مثل السويس وبنما، بينما تخضع المضائق الطبيعية لقواعد خاصة تضمن حرية العبور.

 

وفي المقابل، تقدم تجارب دولية مثل مضيق البوسفور وقناة مرمرة والدردنيل، إضافة إلى مضيق سنغافورة، نماذج مختلفة لتنظيم الملاحة، تتراوح بين تنظيمات تفرض رسوما محدودة أو لا تفرض رسوما إطلاقا، مع الحفاظ على انسيابية التجارة العالمية.

 

ويظل مضيق هرمز في هذا السياق أحد أهم نقاط التحكم في الاقتصاد العالمي، حيث إن أي تغيير في قواعد المرور فيه ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة وحركة التجارة الدولية، مما يجعله عنصرا محوريا في معادلات الاستقرار الاقتصادي العالمي.

 

الخاتمة:

 

     يتضح مما تناولنها في أعلاه؛ أن مضيق هرمز يتمتع بوضع قانوني خاص كمضيق دولي يخضع لنظام المرور العابر، وهو ما يقيّد سلطة الدول المشاطئة عليه، رغم وقوع أجزاء منه ضمن مياهها الإقليمية.

 

   وبناءً عليه، لا يحق لإيران فرض رسوم عبور عامة على السفن المارة، إلا في حدود ضيقة تتعلق بتقديم خدمات فعلية. غير أن التوترات السياسية والعسكرية، قد تدفع بعض الدول إلى اتخاذ مواقف تتعارض مع القانون الدولي، مما يبرز الفجوة بين القاعدة القانونية والتطبيق الواقعي، خاصة في أوقات الأزمات والنزاعات.

 

الدكتور عادل عامر

 

دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي

 

ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري

وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى