الدكتور عادل عامر يكتب: الأمن العربي المشترك كركيزة لحماية الأمن القومي المصري
يُعدّ الأمن القومي المصري مفهومًا مركبًا يتجاوز الحدود الجغرافية للدولة، ليرتبط ارتباطًا وثيقًا بدوائرها الاستراتيجية العربية والإقليمية. وفي هذا الإطار، يبرز الأمن العربي المشترك كأحد أهم الدعائم التي تستند إليها مصر في حماية مصالحها الحيوية، وصون استقرارها الداخلي والخارجي، في ظل بيئة دولية وإقليمية تتسم بالتعقيد وتسارع التهديدات.
لقد أدركت مصر، تاريخيًا، أن أمنها لا يمكن فصله عن محيطها العربي، فالجغرافيا السياسية تفرض ترابطًا عضويًا بين دول المنطقة، سواء من حيث الأمن العسكري أو الاقتصادي أو حتى الاجتماعي والثقافي. ومن ثم، فإن أي تهديد يطال دولة عربية، سرعان ما يمتد أثره إلى باقي الدول، وفي مقدمتها مصر، بحكم موقعها المركزي وثقلها الإقليمي.
يستند مفهوم الأمن العربي المشترك إلى مجموعة من المبادئ، أبرزها وحدة المصير، وتكامل المصالح، والتضامن في مواجهة التهديدات. وقد تجسد هذا المفهوم في العديد من الأطر المؤسسية، مثل جامعة الدول العربية، واتفاقية الدفاع العربي المشترك، وغيرها من آليات التنسيق السياسي والعسكري. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الأطر، بل في تفعيلها على نحو فعّال يتناسب مع طبيعة التهديدات المعاصرة.
وتتعدد التهديدات التي تجعل من الأمن العربي المشترك ضرورة ملحة لحماية الأمن القومي المصري، فمنها التهديدات التقليدية، كالصراعات المسلحة والتدخلات الخارجية، ومنها التهديدات غير التقليدية، مثل الإرهاب العابر للحدود، والهجرة غير الشرعية، والجريمة المنظمة، فضلًا عن التهديدات الاقتصادية والأمن المائي والغذائي. وفي هذا السياق، تمثل قضايا مثل استقرار دول الجوار العربي، وأمن البحر الأحمر، وحماية الممرات الملاحية، عناصر حيوية للأمن المصري.
كما أن الأزمات التي شهدتها بعض الدول العربية خلال العقد الأخير، كشفت بوضوح أن غياب التنسيق العربي يفتح المجال لتدخلات إقليمية ودولية، تُعيد تشكيل موازين القوى على نحو قد يضر بالمصالح العربية، ويؤثر سلبًا على الأمن القومي المصري. ومن هنا، تبرز أهمية استعادة فاعلية العمل العربي المشترك، ليس فقط كخيار سياسي، بل كضرورة استراتيجية.
ولا يقتصر دور الأمن العربي المشترك على البعد العسكري فحسب، بل يمتد ليشمل التكامل الاقتصادي، الذي يُعدّ أحد أهم ركائز الاستقرار. فتعزيز التعاون الاقتصادي بين الدول العربية، وتبادل الاستثمارات، وتنسيق السياسات المالية والتجارية، من شأنه أن يقلل من الاعتماد على الخارج، ويعزز القدرة الجماعية على مواجهة الأزمات العالمية، وهو ما ينعكس إيجابًا على الاقتصاد المصري.
وفي الإطار ذاته، يمثل التعاون الاستخباراتي والأمني بين الدول العربية أحد أهم أدوات مواجهة الإرهاب والتطرف، حيث تعتمد هذه التهديدات على شبكات عابرة للحدود، لا يمكن التصدي لها بجهود فردية. ومن ثم، فإن تبادل المعلومات، وتنسيق الجهود الأمنية، يُعدّ ضرورة حتمية لضمان استقرار المنطقة.
وعلى صعيد آخر، تلعب مصر دورًا محوريًا في دعم الأمن العربي المشترك، انطلاقًا من ثقلها التاريخي والسياسي والعسكري. فقد سعت مصر دائمًا إلى تبني سياسات متوازنة تقوم على دعم استقرار الدول العربية، والحفاظ على وحدة أراضيها، ورفض التدخلات الخارجية، والعمل على تسوية النزاعات بالطرق السلمية، بما يحقق الأمن والاستقرار للجميع.
ومع ذلك، يظل تفعيل الأمن العربي المشترك مرهونًا بتوافر الإرادة السياسية لدى الدول العربية، وتغليب المصالح الجماعية على الخلافات الضيقة. كما يتطلب تطوير آليات العمل العربي المشترك، لتكون أكثر مرونة وكفاءة، وقادرة على الاستجابة السريعة للتحديات.
وفي الختام، يمكن القول إن الأمن العربي المشترك ليس مجرد شعار، بل هو خيار استراتيجي حتمي لحماية الأمن القومي المصري، في ظل عالم لا يعترف إلا بالتكتلات القوية. ومن ثم، فإن تعزيز هذا الأمن، وتفعيل آلياته، يمثلان ضرورة لا غنى عنها لضمان مستقبل آمن ومستقر لمصر وللأمة العربية بأسرها.
لان التحركات المصرية الأخيرة لم تكن وليدة اللحظة، بل جاءت امتدادًا لنهج استراتيجي راسخ تتبناه الدولة المصرية في التعامل مع الأزمات الإقليمية والدولية، يقوم على التوازن والحكمة وتغليب لغة الحوار على التصعيد.
لان القيادة السياسية المصرية تواصل العمل بشكل دؤوب لتعزيز الاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، من خلال بناء شراكات قوية مع مختلف القوى الدولية، بما يضمن الحفاظ على مقدرات الشعوب العربية وصون أمنها القومي.
أن نجاح مصر في الإسهام بتهدئة التوتر بين الولايات المتحدة وإيران يعكس ثقة المجتمع الدولي في الدبلوماسية المصرية، وقدرتها على لعب دور الوسيط النزيه الذي يسعى لتحقيق السلام دون الانحياز لأي طرف.
وإذا كان هذا النموذج التطبيقي يكشف حدود الفهم التقليدي للأمن، فإن تفسيره يقتضي العودة إلى التحولات الأعمق التي طالت مفهوم الأمن ذاته على المستوى العالمي.
وفي هذا الإطار، أسهمت التحولات العالمية، في ظل العولمة وتشابك الاعتماد المتبادل وتداخل الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والبيئية، في إعادة صياغة مفهوم الأمن القومي ليصبح أكثر شمولًا وتعقيدًا، بحيث لم يعد مقتصرًا على حماية الدولة من التهديدات الخارجية وفق التصور الواقعي التقليدي، بل بات يعكس قدرتها على الحفاظ على مقومات بقائها واستمرارها في بيئة دولية متغيرة.
وفي السياق العربي، يزداد هذا التحول تعقيدًا؛ إذ يقوم الأمن القومي العربي نظريًا على كونه أمنًا جماعيًا عابرًا للحدود، يرتبط بوحدة المصير والتكامل الجغرافي والسياسي، إلا أن هذا التصور لم يترجم إلى واقع مؤسسي فعال، حيث كشفت الممارسة عن فجوة واضحة بين الإطار النظري وآليات التطبيق، خاصة في ظل تصاعد التهديدات المركبة التي تتجاوز قدرة الدولة الوطنية منفردة.
وتعكس الحرب الراهنة تحولًا نوعيًا في طبيعة الأمن، حيث تلاشت الحدود بين أبعاده المختلفة، ليبرز ما يمكن تسميته بالأمن القومي المركب متعدد الأبعاد، الذي تتداخل فيه المحددات العسكرية والاقتصادية والاجتماعية والتكنولوجية والبيئية ضمن شبكة متشابكة من التأثيرات، بحيث يؤدي أي اختلال في أحدها إلى تداعيات ممتدة تهدد استقرار الدولة وبنيتها.
وعليه، لم يعد السؤال الاستراتيجي: كيف نحمي الحدود؟ بل أصبح: كيف نضمن استدامة الدولة في بيئة تهديد مركبة، عابرة للحدود ومتعددة المستويات؟
ومن هنا تتبلور الإشكالية المركزية: هل لا يزال مفهوم الأمن القومي العربي، بصيغته التقليدية، قادرًا على تفسير الواقع وإدارته؟ أم أن المرحلة الراهنة تفرض إعادة تأسيسه على أسس جديدة، تنتقل من منطق حماية الدولة إلى منطق تأمين استمراريتها وقدرتها على البقاء؟
التحول البنيوي في مفهوم الأمن:
تشير المعطيات الراهنة إلى أن مفهوم الأمن القومي العربي يشهد تحولًا بنيويًا عميقًا، يتمثل في الانتقال من نموذج تقليدي يركز على حماية الدولة إلى نموذج أشمل يرتكز على استدامتها، فلم يعد الأمن مقتصرًا على ردع التهديدات العسكرية أو حماية الحدود، بل أصبح يعكس قدرة الدولة على تأمين مقومات بقائها واستقرارها في بيئة تهديد مركبة ومتعددة المستويات. وفي المقابل، تكشف هذه التحولات عن فجوة عربية في مجالات التكنولوجيا المتقدمة، والتحليل الاستراتيجي، وقدرات الاستشراف المبكر، وهي فجوة لا تقتصر آثارها على ضعف الدفاع، بل تمتد إلى تراجع القدرة على التنبؤ وإدارة الأزمات قبل وقوعها.
ومن ثم، لا يكمن التحدي في نقص الإمكانات، بل في القدرة على تنظيمها وتوظيفها ضمن مشروع استراتيجي موحد، قادر على تحويل عناصر القوة الكامنة إلى أدوات نفوذ حقيقي.
وعليه، يتبلور الخيار الاستراتيجي في صورته الحاسمة: إما التحول إلى قوة عربية مدارة تمتلك زمام أمنها ومصالحها.. أو الاستمرار كساحة مفتوحة تدار فيها صراعات الآخرين.
الدكتور عادل عامر
دكتور القانون العام والاقتصاد الدولي
ومدير مركز المصريين للدراسات بمصر ومحكم دولي معتمد بمركز جنيف للتحكيم الدولي التجاري
وعضو ومحاضر بالمعهد العربي الأوربي للدراسات السياسية والاستراتيجية بفرنسا




