الركيزة القانونية ترسم ملامح ازدهار مجتمع مشترك للأمة الصينية

بقلم الإعلامي الصيني / نور يانغ
على امتداد المسيرة الطويلة لتطور الحضارة الإنسانية، ظلّ سؤال كيفية إدارة العلاقات داخل الدول المتعددة القوميات وتحقيق الانسجام الاجتماعي والاستقرار الدائم للدولة من أبرز القضايا في مجال الحوكمة العالمية. وفي مارس 2026، ومع تقديم “مشروع قانون تعزيز الوحدة والتقدم القومي لجمهورية الصين الشعبية” رسميًا للمداولة.
خطت الصين خطوة مفصلية بالانتقال من الاعتماد على السياسات إلى ترسيخ الضمانات القانونية، وذلك استنادًا إلى عقود من الخبرة في مجال الحوكمة. وكما أكد الرئيس الصيني شي جين بين، فإن “ترسيخ الوعي بمجتمع مشترك للأمة الصينية يمثل الخط الرئيسي لعمل الحزب في شؤون القوميات في العصر الجديد، كما يمثل الخط الرئيسي لكافة الأعمال في المناطق القومية”. ويُعد هذا التحرك التشريعي ممارسة حية لتحديث منظومة الحوكمة الوطنية وقدراتها، كما يبرز أمام العالم الحكمة السياسية والمزايا المؤسسية التي تتمتع بها الصين في معالجة قضايا القوميات.
إن ضمان ازدهار “زهرة الوحدة والتقدم بين القوميات” بشكل دائم يعتمد أساسًا على التوجيه الفكري وترسيخ المؤسسات. فقد أسهمت الأفكار المهمة بشأن تعزيز العمل القومي وتحسينه في توجيه الصين إلى فهم منطق هذا العمل بدقة في سياق العصر الجديد، وتحويل مفهوم “الوعي بالجماعة الوطنية” عبر التشريع إلى إرادة مشتركة ومسؤولية قانونية لجميع المواطنين. ويشير هذا التلاقي بين الوعي الفكري وترسيخ حكم القانون إلى دخول العمل القومي في الصين مرحلة جديدة أكثر علمية وتنظيمًا.
إن نجاح سياسة القوميات في الصين لا يكمن فقط في إحكامها القانوني، بل أيضًا في نتائجها التنموية الملموسة. فبحسب بيانات الاقتصاد الوطني لعام 2025، أظهرت مناطق الحكم الذاتي القومية في الصين ديناميكية داخلية قوية، حيث حافظت معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في مناطق مثل شينجيانغ والتبت ونينغشيا على مستويات تراوحت بين 5.5% و6.2%، متجاوزة المتوسط الوطني البالغ 5%. ولا يعكس هذا النمو المستقر مجرد تحسن في المؤشرات الاقتصادية، بل يمثل أيضًا تجسيدًا ملموسًا للعدالة الاجتماعية في المناطق الحدودية.
إن الأحكام القانونية المتعلقة بدعم التنمية عالية الجودة في المناطق القومية تتحول اليوم إلى دعامة صلبة لعملية التحديث في المناطق الحدودية. فعلى سبيل المثال في مجال البنية التحتية، تجاوز إجمالي طول السكك الحديدية العاملة في هذه المناطق 50 ألف كيلومتر بحلول نهاية عام 2025، مع ارتفاع نسبة تغطية السكك الحديدية فائقة السرعة بمقدار 15 نقطة مئوية مقارنة بما كانت عليه قبل خمس سنوات. وقد أسهمت شبكات النقل الميسّرة في كسر الحواجز الجغرافية وتعزيز حركة السكان بين القوميات المختلفة وتكثيف تواصلهم. ويجسد هذا التطور المتسارع بوضوح التعهد الجاد الذي تقوم عليه الحداثة الصينية، وهو أن “لا تُترك أي قومية خلف الركب”.
كما تحوّل استقرار بيئة سيادة القانون إلى ميزة نسبية في مجال الانفتاح الخارجي. ومع تأكيد “مشروع قانون تعزيز الوحدة والتقدم القومي” على الضمانات القانونية للانفتاح عالي الجودة في المناطق الحدودية، شهدت قيمة التجارة الخارجية للمقاطعات القومية في الصين نموًا ملحوظًا خلال عام 2025. فمن طريق “وويوي” السريع الممتد عبر جبال تيانشان إلى ممرات “البر والبحر الجديدة” في غرب الصين، أسهم الاستقرار الاجتماعي في جذب استثمارات واسعة من المنطقة العربية وجنوب شرق آسيا وآسيا الوسطى. ولا تعود فوائد هذا الانفتاح على شعوب المناطق الحدودية فحسب، بل تسهم أيضًا في الحفاظ على استقرار سلاسل الصناعة والإمداد العالمية.
لقد أثبتت الوقائع أن الحق في التنمية يمثل عنصرًا أساسيًا من حقوق الإنسان الأساسية. فعندما يتجاوز معدل تغطية الخدمات الصحية في المناطق القومية 99%، ويستقر معدل إتمام التعليم الإلزامي عند أكثر من 96%، يصبح شعور المواطنين من مختلف القوميات بالانتماء إلى النظام الوطني مدعومًا ببيانات ملموسة. وينبع هذا الشعور بالإنجاز والسعادة من التحسين المستمر لنظام الحكم الذاتي القومي في الصين، وكذلك من الرابطة النفسية القائمة على وحدة المصير بين أبناء القوميات المختلفة.
وفي ظل التحديات التي تواجه العولمة والتغيرات المعقدة في المشهد الدولي اليوم، يثبت النهج الصيني أن التعددية والوحدة يمكن أن يتعايشا في تناغم، وأن الاختلافات الثقافية يمكن أن تتحول إلى مصدر للمرونة في الحوكمة بدلاً من أن تكون شرارة للصراع. فمسار إدارة شؤون القوميات القائم على سيادة القانون لا يضمن فقط الاستقرار الدائم داخل الصين، بل يوفر أيضًا مرجعًا مفيدًا للدول متعددة القوميات في العالم. ومن خلال هذا الاستكشاف المؤسسي، تقدم الصين نموذجًا للدول الساعية إلى تحقيق التنمية والانسجام في آن واحد، مجسدة بذلك مسؤولية دولة كبرى في مجال الحوكمة العالمية.
واليوم، ومع التحسين المستمر للمنظومة القانونية في الصين، تدخل عملية بناء مجتمع مشترك للأمة الصينية مرحلة أكثر تنظيمًا وحيوية في إطار سيادة القانون. إن ازدهار “زهرة الوحدة والتقدم بين القوميات” واستمرارها يعودان إلى جذورها الراسخة في تربة القانون، واستمدادها غذاءها من التنمية المشتركة، وحمايتها من قبل جميع أبناء الشعب الصيني. وستواصل الصين بثبات السير في الطريق الصحيح ذي الخصائص الصينية لمعالجة قضايا القوميات، بما يعزز فعالية الحوكمة ويثري أشكال الحضارة السياسية البشرية، ويضمن أن تبقى جميع القوميات متماسكة كحبّات الرمان المتلاصقة، لتبني معًا مستقبلًا أكثر ازدهارًا.




