السيد خلاف يكتب : الناتو العربي وصراع اللوبيات..تحرك مصري لإعادة هندسة الأمن الإقليمي تحت سقف الحرب !
هل تتحرك مصر باتجاه إعادة تشكيل النظام الأمني في منطقة الشرق الأوسط وخاصة المنطقة العربية ؟
والإجابة لن تكون بمعزل عن زيارة الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى كل من قطر والإمارات العربية المتحدة، بعد جولة نشطة لوزير الخارجية بدر عبد العاطي، لتكشف عن تحرك مصري محسوب يتجاوز إطار “التضامن التقليدي” إلى محاولة إعادة صياغة بنية الأمن الإقليمي بالكامل.
هذه الزيارة لا يمكن قراءتها بمعزل عن ثلاثة مسارات متوازية:
-احتواء تداعيات الحرب الدائرة في الإقليم.
-إعادة تعريف دور مصر كقائد توازني.
-الاشتباك مع صراع اللوبيات الدولية حول مستقبل الشرق الأوسط.
■ أولًا: من التضامن إلى “إدارة التوازن”
الرسالة الأولى للزيارة تبدو مباشرة دعم دول الخليج في لحظة توتر إقليمي حاد، لكن القراءة الأعمق تشير إلى أن القاهرة لا تتحرك فقط بمنطق التضامن ، بل بمنطق “إدارة التوازن”.
كون مصر تدرك أن أي تصعيد غير محسوب في الخليج – سواء عبر مضيق هرمز أو عبر استهدافات غير مباشرة – سيؤدي إلى:انهيار جزئي في منظومة الطاقة العالمية،اضطراب سلاسل الإمداد،ضغوط اقتصادية مضاعفة على الداخل المصري،
ومن هنا، تتحرك القاهرة كـ”صمام أمان” بين أطراف متناقضة، وليس كطرف في محور.
■ ثانيًا:وقف الحرب..أم إعادة هندستها؟
الهدف المعلن هو البحث في وقف الحرب، لكن الواقع يشير إلى أن “وقف الحرب” لم يعد قرارًا إقليميًا خالصًا، بل بات رهينًا بتوازنات معقدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران ، وهنا تحاول مصر لعب دور مختلف: ليس فقط الوسيط، بل“مهندس تسوية”، أي أن القاهرة تسعى لطرح معادلة تقوم على وقف التصعيد العسكري وضمانات أمنية متبادلة،
وإعادة توزيع النفوذ الإقليمي،لكن هذا الدوريصطدم بعقبة رئيسية غياب الإرادة الدولية الموحدة.
■ ثالثًا: الناتو العربي.. بين الحلم والصدام .. بطبيعة الحال الناتوالعربي مطلب أمني للضرورة لمواجهة مخططات جيوسياسية وأمنية، ومن أخطر القضايا المطروحة في الزيارة إعادة إحياء الفكرة “الناتو العربي” أو حلف إقليمي.
لكن المفاجأة هنا أن الطرح المصري – وفق المؤشرات – لم يعد تقليديًا، بل يتجه نحو نموذج أكثر تعقيدًا قد يشمل قوى غير عربية مثل تركيا وإيران،
وهذا التحول يعكس إدراكًا استراتيجيًا مهمًا، لكن ضرب إيران دول خليجية يصعب من دمجها في ظل فقدان الثقة مع دول الخليج، مع تقارب تركي خليجي مانح الثقة .
ويبقي نجاح هذا التحرك رهن تباين دول الخليج بين التأييد والرفض من تفعيل القوة العربية المشتركة ، وطريقة الخروج من تحت العباءة الأمريكية الراغبة في التواجد لنهب ثرواتها بغطاء أمني أو مظلة أثبتت فشلها ، فضلا عن دور اللوبيات الدولية في قتل الفكرة والتوجه المصري قبل ميلاده .
وفي كواليس الاستراتيجية المصرية لتأسيس “ناتو عربي” أو منظومة دفاع إقليمي “حلف” مستقل، ينهي الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة، ورغم أن التحرك يبدو منطقيًا في سياق التحولات الدولية، لكنه يصطدم بجدار صلب، لوجود شبكة معقدة من اللوبيات الدولية التي ترى في قيام هذا التحالف تهديدًا مباشرًا لمصالحها.
وتسعى مصر إلى تحويل ملامح المشروع العربي – من التنسيق إلى الردع، ولا يقتصر على تنسيق عسكري تقليدي، بل يستهدف:
-إنشاء قوة تدخل سريع عربية
-بناء مظلة دفاع جوي مشتركة
-توحيد العقيدة القتالية والأمن السيبراني
-تقليل الاعتماد على القواعد الأجنبية
لكن.. لماذا يُقلق “الناتو العربي” القوى الدولية؟.. ببساطة لأن قيام تحالف عربي مستقل يعني انتهاء احتكار الحماية الأمنية من قبل الولايات المتحدة،وتقليص الحاجة إلى القواعد العسكرية الأجنبية، وتراجع صفقات السلاح الضخمة، وتحول المنطقة من “سوق أمن” إلى “منتج أمن” وهنا تبدأ حرب من نوع آخر وهي حرب اللوبيات.
■ خريطة اللوبيات الدولية ودورها في العرقلة:
1- اللوبي الصناعي العسكري (Military-Industrial Complex) هذا اللوبي، المرتبط بشركات السلاح الكبرى، يُعد المستفيد الأول من بقاء الوضع الحالي بالضغط على صناع القرار في واشنطن، والترويج الي خطاب “التهديد الإيراني الدائم” وربط أمن الخليج بمنظومات تسليح غربية معقدة. لمنع أي توجه نحو الاكتفاء الأمني العربي، لأن ذلك يعني خسارة مئات المليارات من صفقات التسليح.
2- اللوبي المؤيد لإسرائيل ويمثل أحد أقوى الفاعلين في واشنطن، ويرتبط بشكل مباشر بأمن إسرائيل، ويعارض هذا اللوبي فكرة “الناتو العربي”لأنه قد يخلق توازن ردع حقيقي في المنطقة ويقلل من التفوق العسكري النوعي لإسرائيل، ولهذا اللوبي القدرة علي التأثيرعلى الكونغرس،وتوجيه مراكز الفكر، وصياغة سرديات إعلامية تحذر من “عسكرة العرب”.
3- لوبيات الطاقة العالمية كون
النفط والغاز ليسا مجرد موارد، بل أدوات نفوذ ،وتتخوف هذه اللوبيات من تحالف عربي قوي قد يسيطرعلى طرق الطاقة” مضيق هرمز” وإعادة تسعير الطاقة خارج الهيمنة الغربية، فضلا عن استخدام الطاقة كسلاح سياسي،ويقوم بدعم غير مباشر لإبقاء المنطقة .
4- لوبيات “إدارة الفوضى” فبعض مراكز التفكير في الغرب تتبنى نظرية “الفوضى الخلاقة”،المرتبطة تاريخيًا بأفكار برنارد لويس ،والتي تبنتها واشنطن وأعلنتها كونداليزا رايس وجربتها في عام 2011 في الدول العربية.
وتنطلق هذه الرؤية من أن الشرق الأوسط يجب أن يبقى في حالة توازن هش،ومنع ظهور قوة إقليمية مهيمنة ، وإدارة الصراعات بدل إنهائها، وقيام “ناتو عربي” يتناقض جذريًا مع هذه الرؤية.
إذا كيف تُدار هذه اللوبيات المعركة؟ طبيعي أن تدار وفق :
-تفجير الخلافات العربية،وإعادة إحياء التوترات بين الدول العربية، خاصة حول:العلاقة مع إيران ،والموقف من تركيا.
– الحرب الإعلامية وتنطلق من
تصويرالمشروع كتهديد للاستقرار
تضخيم المخاوف من “هيمنة دولة على أخرى”،والترويج لفشل تجارب عربية سابقة.
-الضغط الاقتصادي من خلال التلويح بعقوبات ،والتأثير على الاستثمارات، واستخدام أدوات الدين والمؤسسات المالية.
-الاحتواء الناعم بدل المواجهة المباشرة ، ويتم من خلال احتواء المشروع داخل أطر شكلية،وتحويله إلى “منتدى تنسيقي” بلا قوة حقيقية
ويواجه هذا ” التحرك المصري ” معضلة كبرى – بين واشنطن والاستقلال العربي لدول المنطقة، وتجد الدول الخليجية نفسها أمام معادلة معقدة: من جهة: الاعتماد الأمني التاريخي على الولايات المتحدة،ومن جهة أخرى تزايد الشعور بأن هذا الاعتماد لم يعد كافيًا.
كما أن الطرح المصري أو العربي الشعبي في المنطقة يذهب أبعد من ناتو عربي ، كونه يطالب بـإنهاء القواعد الأجنبية،وبناء تحالف إقليمي يشمل حتى إيران وتركيا.
هذا الطرح يصطدم بواقع جيوسياسي شديد التعقيد، وهنا ببرز السيناريو المرجح – “الاستقلال تحت السقف الأمريكي”
لكن التقدير الأكثرواقعية قد يشير إلى عدم القطيعة مع واشنطن،بل إعادة تعريف العلاقة معها، مع بناء قوة عربية تدريجية تعمل بالتوازي
أو بمعنى آخر الانتقال من التبعية إلى الشراكة دون الصدام المباشر
ومن ثم..هل ينجح الناتو العربي أو الإقليمي ؟..ويتوقف نجاح “الناتو العربي” على 3 عوامل حاسمة:
– الإرادة السياسية وهل تتجاوز الدول العربية حساباتها الضيقة؟
– القدرة على تحييد اللوبيات،ليس عبر المواجهة، بل عبر: تنويع الشراكات الدولية ،وبناء نفوذ مضاد داخل مراكز القرار، تعريف العدو الحقيقي.
ما يجري أو ما تقوم به مصر ليس تأسيس تحالف عسكري فحسب، بل هو صراع على من يملك قرارالأمن في الشرق الأوسط بين مشروع عربي يسعى للاستقلال، وشبكة لوبيات دولية تسعى للإبقاء على الوضع القائم.
والنتيجة لن تحدد فقط شكل التحالفات ، بل ستحدد من يحكم المنطقة فعليًا في العقد القادم،وهل يتخلص العرب من الهيمنة الأمريكية والدخول في حلف المظلة الأمنية العربية أو الإقليمية أم أنهم سيبقون في أحضان النيران الصديقة والخنوع السياسي والاقتصادي والعسكري الأمريكي وأذناب اللوبيات الصهيونية ومخططاتها المنطقة ؟




