مقالات الرأي

المستشار شاهين يكتب :كيف تحافظ مصر على استقرار اقتصادها في مواجهة العواصف الإقليمية

بقلم المستشار الدكتور فاروق شاهين الخبير الأقتصادي

يشهد العالم في الوقت الراهن مرحلة شديدة التعقيد نتيجة تصاعد التوترات والصراعات في منطقة الشرق الأوسط، وهي منطقة تمثل أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة والطاقة في العالم. وقد انعكست هذه الأوضاع بشكل مباشر على الاقتصاد العالمي من خلال اضطراب سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتقلب أسعار الطاقة والسلع الاستراتيجية.

وفي ظل هذه المتغيرات المتسارعة، يبرز التساؤل المهم: كيف يمكن للاقتصاد المصري أن يحافظ على استقراره ويواصل مسيرة التنمية حتى تنتهي هذه الصراعات وتعود المنطقة إلى حالة الاستقرار؟

الحقيقة أن الاقتصاد المصري يمتلك العديد من المقومات التي تساعده على مواجهة هذه التحديات، إلا أن المرحلة الراهنة تتطلب قدراً أكبر من المرونة الاقتصادية والتخطيط الاستراتيجي من أجل تقليل التأثيرات السلبية للأزمات العالمية.
أولاً، يصبح تعزيز الأمن الغذائي من أهم الأولويات الاقتصادية في هذه المرحلة. فالتقلبات العالمية في أسعار الغذاء وسلاسل التوريد تستلزم زيادة المخزون الاستراتيجي من السلع الأساسية،

والتوسع في الإنتاج الزراعي المحلي، ودعم المزارعين وتوفير مستلزمات الإنتاج لهم بأسعار مناسبة. كما أن تنويع مصادر الاستيراد يعد ضرورة استراتيجية لتقليل المخاطر المرتبطة بالاعتماد على أسواق محددة.

ثانياً، تمثل دعم الصناعة الوطنية وتوطين الصناعات الاستراتيجية أحد أهم مفاتيح الاستقرار الاقتصادي. فكلما زادت قدرة الاقتصاد على الإنتاج المحلي، انخفضت الحاجة إلى الاستيراد وتراجع الضغط على العملة الأجنبية. لذلك يصبح من الضروري تقديم حوافز ضريبية وتمويلية للصناعات التي تسهم في تقليل الواردات وزيادة الصادرات، مع دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها أحد أهم محركات النمو الاقتصادي.

ثالثاً، لا يمكن إغفال الدور الحيوي الذي تلعبه الصادرات المصرية في دعم الاقتصاد الوطني. فالتوسع في فتح أسواق جديدة في أفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية يمثل فرصة مهمة لتعزيز تدفقات النقد الأجنبي، خاصة مع تزايد الطلب العالمي على العديد من المنتجات المصرية الصناعية والزراعية.

كما أن تنشيط مصادر النقد الأجنبي يمثل ركيزة أساسية في الحفاظ على استقرار الاقتصاد المصري. ويأتي في مقدمة هذه المصادر قطاع السياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والاستثمارات الأجنبية المباشرة، إضافة إلى الإيرادات الحيوية لقناة السويس والخدمات اللوجستية المرتبطة بها.

ومن ناحية أخرى، تفرض المرحلة الحالية أهمية كبيرة لتحقيق الانضباط المالي وترشيد الإنفاق الحكومي، مع إعطاء الأولوية للمشروعات الإنتاجية التي تسهم في زيادة الناتج المحلي وخلق فرص العمل. كما أن تعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص أصبح ضرورة لتعظيم الاستفادة من الموارد الاقتصادية المتاحة.

وفي الوقت نفسه، ينبغي الحفاظ على استقرار السياسة النقدية وإدارة سعر الصرف بمرونة بما يضمن استقرار الأسواق ويحد من المضاربات، مع تعزيز الاحتياطي النقدي ودعم الثقة في الاقتصاد المصري.

ولا يقل أهمية عن ذلك تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية لحماية الفئات الأكثر تأثراً بارتفاع الأسعار العالمية، وضمان تحقيق التوازن بين متطلبات الإصلاح الاقتصادي والحفاظ على الاستقرار الاجتماعي.

إن التجارب الاقتصادية عبر التاريخ تؤكد أن الدول القادرة على تحويل الأزمات إلى فرص هي التي تخرج من الأزمات أكثر قوة وصلابة. ومصر، بما تمتلكه من موقع جغرافي استراتيجي وموارد بشرية واقتصادية متنوعة، قادرة على تجاوز هذه المرحلة الصعبة إذا ما تم توظيف السياسات الاقتصادية المناسبة وتعزيز الإنتاج والاستثمار.

وفي النهاية، فإن الحروب والصراعات مهما طال أمدها لا بد أن تنتهي، لكن الدول التي تستعد جيداً وتبني اقتصاداً قوياً ومتوازناً هي التي تستطيع الحفاظ على استقرارها وتحقيق التنمية المستدامة.

ومن هنا، فإن المرحلة الراهنة تمثل اختباراً حقيقياً لقدرة الاقتصاد المصري على الصمود والتكيف مع المتغيرات العالمية، وفرصة في الوقت نفسه لتعزيز أسس الاقتصاد الوطني وبناء مستقبل اقتصادي أكثر قوة واستقراراً للأجيال القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى