رمضان في الوجدان المصري… مدخل إلى حكايات التراث الشعبي 4
المسحراتي… صوت الفجر وحارس الذاكرة الشعبية من الحارة إلى الإذاعة… حكايات ونوادر وإبداع لا ينام

كتب : حمدى حسن هبدالسيد
في ليالي رمضان، حين يسكن الضجيج وتخفت الأضواء، يعلو صوت مألوف يخترق السكون: “اصحى يا نايم… وحد الدايم”.
ذلك الصوت لم يكن مجرد نداء للسحور، بل كان طقسًا اجتماعيًا وروحًا شعبية متجذرة في وجدان المصريين. إنه المسحراتي… صاحب الطبلة الصغيرة، وحارس الفجر، ورفيق البيوت في ليالي الشهر الكريم.
جذور تاريخية… من العصر الفاطمي إلى الحارة المصرية
تعود جذور المسحراتي إلى العصور الإسلامية الأولى، ويُقال إن ظهوره المنظم كان في العصر الفاطمي، حين كان يجوب الشوارع لإيقاظ الناس للسحور، مستخدمًا الطبلة أو العصا، مرددًا عبارات دينية وأدعية قصيرة.
ومع مرور الزمن، أصبح المسحراتي جزءًا من النسيج الشعبي، يعرف سكان حارته بأسمائهم، وينادي كل بيت بنداء خاص، ما جعل العلاقة بينه وبين الأهالي علاقة ألفة ومودة.
حكايات ونوادر من قلب الحارة
لم تخلُ مسيرة المسحراتي من الطرائف:
يُحكى أن أحد الأطفال كان ينتظره كل ليلة ليمنحه قطعة حلوى، فإذا تأخر المسحراتي صاح الطفل: “النهار طلع ولا إيه؟!”
وفي بعض الحارات، كان الأهالي يختبرون صوته؛ فإذا ضعف صوته في ليلة، قالوا له مازحين: “شكلك مفطرتش كويس!”
هذه النوادر منحت الشخصية بعدًا إنسانيًا، وجعلت حضوره محبوبًا لا رسميًا فقط، بل عائليًا حميمًا.
من الأزقة إلى الأثير… المسحراتي في الإذاعة
في القرن العشرين، انتقل المسحراتي من الشارع إلى الميكروفون، حين قدّم الفنان الكبير سيد مكاوي برنامج «المسحراتي» عبر الإذاعة المصرية.
كتب كلماته كبار شعراء العامية، وفي مقدمتهم سيد حجاب وعبد الرحمن الأبنودي، فصار المسحراتي صوتًا فنيًا يحمل رسالة اجتماعية ووطنية وإنسانية.
لم تعد النداءات مجرد دعوة للاستيقاظ، بل تحولت إلى قصائد قصيرة تمزج الحكمة بالدعابة، والهمّ الشعبي بالأمل.
ملامح النصوص الإذاعية
العامية الراقية: لغة قريبة من الناس لكنها مشحونة بالمعنى.
البعد الإنساني: دعوة للتراحم والعمل والالتزام.
النقد الاجتماعي الرقيق: طرح قضايا المجتمع بروح خفيفة.
الإيقاع الشعبي: تناغم بين الكلمة واللحن، يجعل الرسالة سهلة الوصول.
كان صوت سيد مكاوي وهو يصدح:
“اصحى يا نايم وحد الدايم” أقرب إلى مناجاة وجدانية منه إلى مجرد تنبيه للسحور.
المسحراتي… بين الأمس واليوم
مع تطور وسائل التكنولوجيا، كادت شخصية المسحراتي تختفي من بعض المدن، لكن حضوره الرمزي لا يزال قائمًا في القرى والأحياء الشعبية، كما بقي حيًا في الذاكرة من خلال التسجيلات الإذاعية.
المسحراتي ليس مجرد مهنة موسمية، بل هو رمز للتكافل الاجتماعي، وصوت يعبر عن روح رمضان المصرية التي تجمع بين البساطة والعمق.
يبقى المسحراتي شاهدًا على زمن جميل، حين كان الصوت البشري يحمل رسالة ويصنع طقسًا جماعيًا ينتظره الجميع.
هو أكثر من قارع طبلة… إنه شاعر الليل، ورسول الفجر، وواحد من أجمل ملامح التراث الشعبي المصري في رمضان.




