المهندس توفيق عامر يكتب : الطاقة المتجددة.. رهان الدولة المصرية على المستقبل الأخضر
في ظل ما يشهده العالم من تغيرات مناخية حادة، وارتفاع غير مسبوق في أسعار الوقود التقليدي، وتصاعد المخاوف من نضوب الموارد الطبيعية، لم يعد الحديث عن الطاقة المتجددة ترفًا فكريًا أو توجهًا بيئيًا محدود التأثير، بل أصبح ضرورة استراتيجية تمس الأمن القومي والاقتصادي للدول. فالعالم اليوم يعيد صياغة أولوياته، ويضع التحول إلى الطاقة النظيفة في قلب خططه التنموية، إدراكًا بأن المستقبل لن يكون إلا أخضر.
الطاقة المتجددة ببساطة هي الطاقة المستمدة من مصادر طبيعية لا تنفد مع الاستخدام، وتتجدد باستمرار، مثل الشمس والرياح والمياه. ومن أبرز أنواعها: الطاقة الشمسية، وطاقة الرياح، والطاقة المائية، وطاقة المد والجزر، والهيدروجين الأخضر، وطاقة الكتلة الحيوية. وتمثل هذه المصادر البديل الآمن والمستدام للوقود الأحفوري الذي ظل لعقود طويلة المصدر الرئيسي للطاقة رغم أضراره البيئية الجسيمة.
العلاقة بين الطاقة المتجددة والحفاظ على البيئة علاقة عضوية لا تنفصم؛ فالاعتماد على الوقود الأحفوري مثل البترول والفحم والغاز الطبيعي يؤدي إلى انبعاثات كربونية ضخمة، تُعد السبب الرئيسي في ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ. أما التوسع في استخدام الطاقة النظيفة فيسهم في تقليل تلوث الهواء، وخفض انبعاثات ثاني أكسيد الكربون، والحفاظ على الموارد الطبيعية للأجيال القادمة. ومن هنا أصبحت الطاقة المتجددة أحد أهم أدوات مواجهة التغير المناخي عالميًا.
وعند النظر إلى أهم مصادر الطاقة المتجددة، نجد أن الطاقة الشمسية تتصدر المشهد، سواء من خلال الأنظمة الكهروضوئية التي تحول ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء، أو من خلال الطاقة الشمسية الحرارية التي تستخدم حرارة الشمس في التسخين أو توليد الكهرباء. كذلك تلعب طاقة الرياح دورًا متناميًا عبر التوربينات التي تحول حركة الهواء إلى طاقة كهربائية. ولا تقل أهمية الطاقة المائية التي تعتمد على حركة المياه في السدود أو المد والجزر، إلى جانب الهيدروجين الأخضر الذي يُنتج باستخدام الكهرباء النظيفة ويُنظر إليه بوصفه وقود المستقبل.
فوائد الطاقة المتجددة لا تقتصر على الجانب البيئي فحسب، بل تمتد إلى الاقتصاد والمجتمع. فهي مصدر طاقة مستدام لا ينفد، وصديق للبيئة، وتقلل من فاتورة استيراد الوقود، وتوفر فرص عمل جديدة في مجالات التصنيع والتركيب والصيانة، كما تدعم التحول نحو الاقتصاد الأخضر وتعزز أمن الطاقة للدولة. ومن هنا يتضح الفارق الجوهري بينها وبين الطاقة غير المتجددة التي تعتمد على موارد محدودة وتسبب تلوثًا بيئيًا كبيرًا.
في هذا السياق، اتخذت مصر خطوات واضحة وجادة نحو التحول للطاقة النظيفة، واضعة هذا الملف في صدارة أولوياتها التنموية. ويُعد مجمع بنبان للطاقة الشمسية في محافظة أسوان أحد أكبر مشروعات الطاقة الشمسية في العالم، حيث يسهم في إنتاج كميات ضخمة من الكهرباء النظيفة، ويجسد قدرة الدولة على تنفيذ مشروعات عملاقة وفق أحدث المعايير العالمية. كما تمثل محطة جبل الزيت لطاقة الرياح نموذجًا رائدًا لاستغلال موقع مصر الجغرافي المتميز وسرعات الرياح العالية في منطقة البحر الأحمر لتوليد طاقة نظيفة ومستدامة.
ورغم هذه النجاحات، فإن مشروعات الطاقة المتجددة لا تخلو من التحديات، مثل الحاجة إلى تطوير البنية التحتية للشبكات الكهربائية، وارتفاع التكلفة الاستثمارية في المراحل الأولى، والحاجة إلى تكنولوجيا متقدمة وكوادر بشرية مدربة، فضلًا عن تحديات تخزين الطاقة خاصة في مشروعات الشمس والرياح. إلا أن هذه التحديات تظل قابلة للتجاوز في ظل الإرادة السياسية الواضحة، والدعم التشريعي، والشراكات الدولية المتنامية.
في النهاية، يمكن القول إن الطاقة المتجددة لم تعد خيارًا بديلًا، بل أصبحت توجهًا استراتيجيًا عالميًا لضمان أمن الطاقة، والحفاظ على البيئة، وتحقيق التنمية الاقتصادية المستدامة. والاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة هو استثمار في صحة الإنسان، واستقرار الاقتصاد، ومستقبل الأجيال القادمة. ومع استمرار التوسع في المشروعات القومية وتبني أحدث التقنيات، تملك مصر فرصة حقيقية لتصبح مركزًا إقليميًا للطاقة النظيفة، ونموذجًا يحتذى به في التحول نحو المستقبل الأخضر.



