الرئيسيةمقالات الرأي

رمضان في الوجدان المصري… مدخل إلى حكايات التراث الشعبي 3

فانوس رمضان… حكاية ضوء لا ينطفئ في الذاكرة المصرية

كتب: حمدي حسن عبدالسيد

أصبح “فانوس رمضان” جزءًا لا يتجزأ من مظاهر الاحتفال بالشهر الكريم، حيث يجتمع المواطنون في الأحياء الشعبية والمناطق الحديثة لشراء الفوانيس، وإضفاء لمسة من التراث والروحانية على منازلهم. غير أن هذه العادة الرمضانية العريقة تواجه اليوم تحديات كبيرة في ظل المتغيرات الاجتماعية والاقتصادية، ما فتح باب الجدل حول مستقبل الفانوس التقليدي ومكانته في الثقافة المصرية.

ترجع أشهر الروايات ارتباط الفانوس برمضان إلى العصر الفاطمي، وتحديدًا مع دخول الخليفة المعز لدين الله الفاطمي إلى القاهرة ليلًا، حيث خرج الناس لاستقباله حاملين المشاعل والفوانيس.

غير أن بعض المؤرخين يشيرون إلى أن الفانوس كان حاضرًا في مصر قبل ذلك بقرون، ضمن طقوس احتفالية واجتماعية متنوعة، ما يعكس عمق حضوره في الثقافة المصرية قبل أن يرتبط بشهر رمضان تحديدًا. ومع مرور الزمن، أصبح الفانوس أيقونة رمضانية خالصة في الوجدان الشعبي.

على مدار العقود، شهد الفانوس تحولات كبيرة في الشكل والاستخدام. فبعد أن كان وسيلة للإضاءة الفعلية ليلًا، تحول إلى عنصر زينة يملأ البيوت والشوارع.

الحرفيون الذين عملوا في هذه الصناعة لعقود يؤكدون أن الفانوس التقليدي كان يُصنع من النحاس والزجاج الملون، ويعتمد على الشموع، بينما دخلت اليوم خامات البلاستيك والإضاءة الكهربائية وأضواء LED، لتغير ملامحه ووظيفته.

في مناطق عريقة مثل باب الشعرية وتحت الربع، ازدهرت ورش صناعة الفوانيس اليدوية، حيث كان الحرفيون يتوارثون المهنة جيلًا بعد جيل. إلا أن دخول الفوانيس المستوردة، خاصة منخفضة التكلفة، أحدث تراجعًا ملحوظًا في الإقبال على المنتج المحلي التقليدي.

أصحاب الورش يؤكدون أن الفانوس المصنوع من النحاس والزجاج أصبح سلعة مكلفة، في ظل ارتفاع أسعار الخامات، ما دفع بعض الحرفيين إلى تقليص الإنتاج أو التوقف عنه. ورغم ذلك، ما زال هناك عشاق يفضلون الفانوس اليدوي باعتباره يحمل روح رمضان القديمة وقيمته التراثية.

مع التطور التكنولوجي، ظهرت فوانيس مزودة بأغانٍ رمضانية وأضواء ملونة، تجذب الأطفال بشكل أكبر. ويرى بعض المتخصصين أن الابتكار لا يعني بالضرورة ضياع التراث، بل يمكن أن يكون وسيلة لإحيائه بأساليب جديدة تناسب العصر.

لكن في المقابل، تشير دراسات في الثقافة الشعبية إلى أن هيمنة المنتجات المستوردة الأرخص ثمنًا قد تؤدي إلى اندثار بعض الحرف التقليدية، ما يستدعي دعمًا أكبر للصناعات التراثية.

آراء المواطنين تعكس هذا التباين؛ فبين من يحرص على شراء الفانوس التقليدي حفاظًا على التراث، ومن يضطر لاختيار البديل الأرخص، يبقى الفانوس حاضرًا في كل بيت تقريبًا، مهما اختلف شكله أو خامته.

ويبقى السؤال: هل يستطيع الفانوس التقليدي الصمود في مواجهة التحديات الاقتصادية والتكنولوجية؟

الإجابة ربما تتوقف على وعي المجتمع بقيمة تراثه، وعلى قدرة الحرفيين على التكيف دون التفريط في الأصالة.

في النهاية، سيظل فانوس رمضان أكثر من مجرد قطعة زينة؛ إنه رمز للفرح والطفولة والذكريات، وجزء أصيل من الذاكرة الشعبية المصرية، يضيء ليالي الشهر الكريم… حتى وإن تغيّرت أشكاله وتبدلت خاماته.

 

حمدي حسن

كاتب وباحث فى التاريخ والتراث الشعبى امين عام جمعية التراث النوبى امين امانة الثقاغة والفنون بامانة السلام ثان حزب حماة الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى