مصر

تمثال «بس».. المعبود الذي جسّد روح المرح والحماية في مصر القديمة

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

يحتضن متحف آثار مدينة الغردقة تمثالًا مميزًا للمعبود «بس»، مصنوعًا من الحجر الجيري، ويُعد من أبرز القطع التي تعكس جانبًا مختلفًا من الحياة والثقافة في مصر القديمة. فقد ارتبط «بس» بالمرح والموسيقى والرقص والبهجة، كما اعتقد المصريون القدماء أن وجوده يوفر الحماية ويطرد الأرواح الشريرة والكوابيس.

«بس».. أحد أشهر المعبودات المصرية القديمة

يُعد «بس» من المعبودات الشهيرة في الحضارة المصرية القديمة، وازداد انتشاره بصورة كبيرة خلال عصر الدولة الحديثة. وتعددت الآراء حول أصوله، إذ يرى بعض الباحثين أن جذوره ربما ارتبطت بمناطق في وسط أفريقيا، خاصة منطقة البحيرات العظمى، بينما تشير آراء أخرى إلى احتمالية انتقاله إلى الميثولوجيا المصرية عبر الميثولوجيا الفينيقية، وبالأخص من قبرص القديمة.

وظهر «بس» غالبًا في هيئة قزم ممتلئ الجسم، بوجه عريض وملامح صارمة، ولحية تشبه المروحة، وهيئة ارتبطت بإثارة الخوف لدى الأشرار وحماية الأشخاص من الأخطار.

تطور تصوير المعبود «بس»

شهدت هيئة «بس» تطورًا فنيًا عبر العصور، ففي بعض النقوش التي تعود إلى بدايات الأسرة الثامنة عشرة ظهر مزودًا بجناحي صقر. كما ورد اسمه في جنوب مصر منذ عصر الدولة القديمة، بينما يُرجح أن عبادته اتخذت طابعًا أكثر وضوحًا خلال عصر الدولة الحديثة، خاصة في مدينة طيبة.

وظهر «بس» كذلك في معبد دندرة، حيث عُبد خلال العصر الروماني، وصُور في بعض المشاهد ممسكًا بالدرع والسيف. وارتبط في هذه الفترة بعدد من الوظائف الدينية والرمزية، من بينها الشفاء والرقص والموسيقى ومظاهر البهجة.

حامي الأطفال والحوامل وطارد الكوابيس

لم تقتصر رمزية «بس» على المرح والترفيه، بل اعتقد المصريون القدماء أنه يؤدي دورًا مهمًا في الحماية، خاصة للأطفال والنساء الحوامل. كما ارتبط بطرد الكوابيس والأرواح الشريرة، والحماية من الثعابين ومختلف مصادر الأذى.

وارتبط المعبود أيضًا بعالم التجميل والزينة، إذ عُثر على تماثيل له ضمن صناديق مستحضرات التجميل في عدد من المواقع الأثرية، بما يعكس حضوره في تفاصيل الحياة اليومية للمصريين القدماء.

متحف آثار الغردقة.. نافذة على الحضارة المصرية

افتُتح متحف الغردقة في نهاية فبراير عام 2020، بحضور الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، ويُعد أول متحف في مصر يُقام بالشراكة بين وزارة السياحة والآثار والقطاع الخاص.

وتبلغ المساحة الإجمالية للمتحف نحو 22 ألفًا و500 متر مربع، منها 12 ألف متر مخصصة للمنطقة التجارية، بينما تبلغ مساحة منطقة العرض المتحفي نحو 1800 متر مربع موزعة على طابقين.

ويضم المتحف مسرحًا رومانيًا، إلى جانب نحو 1400 قطعة أثرية تمتد عبر فترات تاريخية متعددة، بدءًا من عصور ما قبل التاريخ وصولًا إلى العصر الحديث وعصر أسرة محمد علي.

مقتنيات متنوعة ورحلة عبر العصور

يضم المتحف 11 ممرًا و41 فاترينة عرض، بالإضافة إلى عرض خارجي، ويعتمد سيناريو العرض على التسلسل الزمني والموضوعي، بما يتيح للزائر التعرف على مراحل تطور الحضارة المصرية.

وتخصص تسعة ممرات لعرض آثار مصر القديمة، بينما تتصدر مجموعة المعروضات قطعة رئيسية تتمثل في تمثال الملكة ميريت آمون من الأسرة التاسعة عشرة، إلى جانب ثلاث قطع ملكية للملك تحتمس الثالث، أحد أبرز ملوك مصر المحاربين، والذي خاض 17 حملة عسكرية.

ويأتي تمثال «بس» ضمن القطع التي تقدم للزائر صورة أكثر تنوعًا عن المجتمع المصري القديم، وتكشف أن المصريين لم يهتموا فقط بالعمل والطقوس الدينية، وإنما عرفوا أيضًا المرح والموسيقى والرقص، وجعلوا منها جزءًا من حياتهم ومعتقداتهم اليومية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى