د. عادل عامر يكتب: تحولات النظام الإقليمي بعد حرب غزة
أعادت حرب غزة صياغة توازنات القوى في الشرق الأوسط، حيث أدت إلى تراجع مركزية الهيمنة الأمريكية، وسقوط رهان “التطبيع المجاني” الذي همّش القضية الفلسطينية، وعودة القضية لصدارة الأولويات الإقليمية، مع بروز تنسيق عربي مشترك لدعم مسار حل الدولتين.
بيد أن هذه المعادلة محفوفة بالخطر؛ حيث إنها سوف تعني أكثر من دخول واشنطن الحرب؛ لأنه في هذا السيناريو قد تتحول الحرب الثنائية بين تل أبيب وطهران إلى حرب إقليمية واسعة؛ بسبب تهديد إيران باستهداف القواعد الأمريكية في المنطقة، وهذا خيار لا يريده ترامب؛ لذا فإن أكثر الخيارات المتاحة لترامب هو دعم إسرائيل بكل شيء لتحقيق جزء كبير من أهدافها، حتى لا تضطر الولايات المتحدة إلى الدخول بنفسها على خط الصراع.
7- نزع ورقة من روسيا والصين: منذ انتصار الثورة الإيرانية في عام 1979، تحولت طهران من المعسكر الغربي، واتجهت نحو الاتحاد السوفيتي السابق، ثم إلى روسيا والصين. وتقوم العقيدة السياسية الأمريكية على أن إيران مع روسيا والصين وكوريا الشمالية يعملون معاً ضد المصالح الأمريكية في العالم، وأن موسكو هي التي ساعدت طهران في برنامجها النووي خاصةً في محطة بوشهر، بينما جاءت غالبية تكنولوجيا الصواريخ والطائرات المُسيَّرة الإيرانية من الصين.
ويتهم البيت الأبيض إيران بأنها زودت روسيا بآلاف المُسيَّرات الانتحارية من طراز “شاهد” والتي تُطلقها روسيا على المدن الأوكرانية مثل كييف وخاركيف وأوديسا وسومي؛ ولهذا فإن إضعاف إيران يصب في صالح تحقيق الأهداف الأمريكية ضد موسكو وبكين.
8- تعزيز الأحادية القطبية: لا يمكن وصف الحرب الإسرائيلية الإيرانية باعتبارها صراعاً ثنائياً أو تنافساً إقليمياً ثنائياً، فهذه الحرب ترتبط بالمعادلات الدولية؛ حيث تصطف إيران مع الصين وروسيا من أجل إنهاء الهيمنة الأمريكية وسياسة القطب الواحد؛ لذا فإن إضعاف إيران هو بمثابة إضعاف لصوت قوي كان ضد الأحادية القطبية.
استدارة أمريكية: لأكثر من عقد ونصف ومنذ عام 2010 عندما كتبت هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية الأمريكية آنذاك، مقالها الشهير “الاستدارة شرقاً” في عدد مايو من مجلة “فورين بوليسي” الأمريكية؛ ساد اعتقاد بأن الولايات المتحدة تخرج من منطقة الشرق الأوسط، وتتجه نحو شرق وجنوب شرق آسيا؛ بهدف مواجهة الصين. لكن الانخراط الدبلوماسي الأمريكي، والذي يمكن أن يتحول إلى عسكري في أي وقت خلال الحرب الإسرائيلية الإيرانية،
يؤكد أن واشنطن عادت من جديد إلى المنطقة وأنها في قلب “الاستدارة نحو الشرق الأوسط”، في ظل المخاوف الأمريكية على أمن إسرائيل، وتنامي مصالح واشنطن الاقتصادية؛ وهو ما يجعل من الولايات المتحدة محور التفاعلات السياسية والاقتصادية والعسكرية في الإقليم.
القيادة من الخلف: السؤال الذي يطرحه الجميع في الوقت الحالي هل تنخرط الولايات المتحدة عسكرياً في الحرب الإسرائيلية الإيرانية؟ من يراجع حقيقة موقف واشنطن يتأكد أنها داعمة لتل أبيب في مجال الاستخبارات والمعلومات، كما تدافع منظومات “باتريوت” و”ثاد” الأمريكية عن إسرائيل، وتطبق الولايات المتحدة في ذلك استراتيجية “القيادة من الخلف” دون أن تكون في صدارة العمليات العسكرية ضد إيران. لكن في حال فشل إسرائيل في القضاء على البرنامج النووي الإيراني، وقدرة طهران على “تعميق الألم” في إسرائيل، ومقتل أمريكيين في ضربات إيرانية، ووجود ضغط من أعضاء الكونغرس؛ فإن ذلك يمكن أن يدفع ترامب إلى الدخول مباشرةً في الحرب لصالح إسرائيل.
تشير الكتابات إلى عدد من التغيرات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط في أعقاب عملية “طوفان الأقصى” التي قادتها حركة حماس منذ عامين، وما تبعها من اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، وما ارتبط بها من تصعيد في جبهات إقليمية أخرى. ومن أبرز هذه التغيرات ما يلي:
1- تغير توازن القوى في المنطقة: جاء هذا التغير مع الضربات العسكرية التي وجهتها إسرائيل إلى إيران ووكلائها، والانهيار المدوي لنظام بشار الأسد في سوريا والذي كان حلقة الوصل في نقل السلاح والعتاد من إيران إلى حزب الله في لبنان، واحتلال إسرائيل أجزاءً من سوريا وتدخلها لدعم الدروز فيها، وقيام النظام الجديد في دمشق بمباحثات مع تل أبيب للوصول إلى اتفاقية أمنية، واحتلال إسرائيل أجزاءً في جنوب لبنان. وارتبط ذلك بالاستخدام الكثيف والمفرط للقوة المسلحة من جانب إسرائيل، وإفصاح رئيس وزرائها، بنيامين نتنياهو، عن خطته لتغيير الواقع السياسي ورسم خريطة جديدة للشرق الأوسط.
2- تفكك نظام الردع في الإقليم: من دلائل ذلك، نشوب هذا العدد من المواجهات العسكرية بين أطراف عديدة في ساحات مختلفة. وتراجع أيضاً ما تُسمى بمفاهيم “وحدة الساحات” و”محور المقاومة” التي طالما ارتبطت بدور إيران الإقليمي. وعجز طهران عن مساندة وكلائها في لحظات الخطر والحسم.
3- تدهور أحوال الفلسطينيين بشكل مروع: في قطاع غزة، يتعرض الفلسطينيون لحروب التجويع والتطهير العرقي وغيرها من الانتهاكات الإسرائيلية. وفي الضفة الغربية، أحكمت سلطات الاحتلال قبضتها المسلحة بحصار المخيمات وتوسيع الاستيطان، وغض الطرف عن تجاوزات المستوطنين واعتداءاتهم على الفلسطينيين بقصد إجبارهم على النزوح من ديارهم وقراهم. ودعا بعض الوزراء في حكومة نتنياهو إلى مد السيادة الإسرائيلية إلى الضفة؛ أي ضمها بأكملها.
4- عودة القضية الفلسطينية إلى صدارة المشهد الدولي: على مستوى الرأي العام، خرجت المظاهرات المؤيدة للقضية الفلسطينية في العواصم الأوروبية والمدن الأمريكية. وعلى المستوى الرسمي، اعترفت 20 دولة جديدة بالدولة الفلسطينية، منها أربع من مجموعة الدول العشر الصناعية الكبرى، وهي المملكة المتحدة وفرنسا وكندا وبلجيكا. فارتفع بذلك عدد الدول التي اعترفت بالدولة الفلسطينية إلى أكثر من 150 دولة. وترافق ذلك مع فرض بعض القيود على الصادرات العسكرية إلى إسرائيل والواردات التي أُنتجت في المستوطنات، والدعوة إلى مقاطعة إسرائيل في المنتديات الفكرية والفعاليات الرياضية الدولية؛ مما يهدد بتحولها إلى دولة منبوذة عالمياً. وقد اعترف نتنياهو بحالة العزلة الدولية التي تعيشها إسرائيل، وتوقع استمرارها لعدة سنوات، وطلب من الشعب الإسرائيلي التكيف معها.
5- تأكيد انفراد الولايات المتحدة بإدارة العملية العسكرية والسياسية في المنطقة: هذا ما ظهر في التدخل العسكري الأمريكي في الميدان، وانحيازها الدبلوماسي في مجلس الأمن الدولي لصالح إسرائيل، وكذلك بالمشاركة في الوساطة مع مصر وقطر للوصول إلى حل للأزمة، ثم بطرح الرئيس دونالد ترامب خطة شاملة للسلام في 29 سبتمبر 2025.
تغيران إضافيان:
كل هذه التغيرات السابق الإشارة إليها هي حقيقية، ويمكن البناء عليها والإشارة إلى تغيرين آخرين مهمين، هما:
1- إدراك الدول العربية الفاعلة بأن التهديد الإسرائيلي اقترب منها ويهدد أمنها الوطني، لأن إسرائيل تسعى إلى ممارسة دور القيادة الإقليمية بفرض القوة، وأنه سوف يترتب على ذلك أن تقوم الدول العربية بأدوارها تحت المظلة الإسرائيلية. وتبلور لدى النخب الحاكمة في هذه الدول العربية أن أمنها لم يعد مضموناً بقوتها الذاتية، ولا بعلاقاتها الخارجية. وتجلى ذلك في عبارات التنديد والإدانة لإسرائيل الصادرة عن عواصم عربية، اتسمت لغتها الدبلوماسية بتجنب استخدام تلك المفردات من قبل.
كما تجلى أيضاً في بيان وزراء الخارجية العرب عن الرؤية المشتركة للأمن والتعاون الصادر في 4 سبتمبر الماضي، والذي أشار إلى أنه لن يكون هناك أمن أو استقرار في المنطقة دون وقف التوسع الاستيطاني فيها، ومحاولات تهويد المقدسات الإسلامية والمسيحية، وطمس الهوية العربية، وضرورة الانسحاب الإسرائيلي من الأراضي المُحتلة، وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، واحترام إسرائيل لمبادئ حسن الجوار وسيادة دول المنطقة واستقلالها. كما دعا البيان إلى أهمية انضمام جميع الدول لمعاهدة عدم الانتشار النووي، وإخضاع كافة المنشآت النووية بالمنطقة لضمانات الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وتأكد هذا الإدراك العميق بالتهديد الإسرائيلي في أعقاب الهجوم الذي شنته على قطر في 9 سبتمبر الماضي؛ أي بعد أقل من أسبوع على صدور هذا البيان، والذي أدى إلى ردود فعل غاضبة وعنيفة من جانب دول مجلس التعاون الخليجي وسائر البلاد العربية والإسلامية. لقد أدى قرار نتنياهو بالموافقة على الغارة الجوية ضد قطر إلى عكس المقصود منه تماماً؛ حيث فشلت العملية ميدانياً، وأثارت موجة عنيفة من الغضب لدى المسؤولين القطريين، وأوجدت زخماً عربياً وإسلامياً ضد الممارسات الإسرائيلية.
2- تبلور الإدراك الإقليمي والدولي بضرورة وضع نهاية مستدامة للصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وعدم الاكتفاء بمجرد وقف إطلاق النار والاتفاق على حلول مرحلية أو مؤقتة. فجاء البحث عن حل يجمع بين إنهاء الحرب القائمة، والإفراج عن الرهائن الإسرائيليين، وإطلاق سراح عدد من الأسرى والمعتقلين الفلسطينيين، وضمان وصول الإغاثة الإنسانية إلى قطاع غزة، والانسحاب الإسرائيلي المتدرج من القطاع، وإعادة إعماره وتصور للحكم في اليوم التالي، وصولاً إلى أفق سياسي يستجيب للمطالب الوطنية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية.
وفي هذا السياق، جاء إعلان ترامب خطته للسلام، والتي وافق عليها نتنياهو في نفس يوم إعلانها، وهو يقف بجوار الرئيس الأمريكي في البيت الأبيض، وتعمد تصوير الخطة وكأنها تتطابق مع الأهداف التي وضعتها حكومته للحرب. ولكن ذلك لم يحل دون انتقادات وزراء اليمين المتطرف له بدعوى أن الخطة أعطت لحماس أكثر مما التزمت به الحكومة. ومن ناحيتها، وافقت حماس على الإفراج عن كل الرهائن، وعدم المشاركة في حكم غزة؛ ولكنها تحاشت الإشارة إلى تسليم السلاح، ودعت إلى تحديد جدول زمني للانسحاب الإسرائيلي.





