رسوم البليت تهدد بإغلاق 20 مصنع درفلة.. وقضايا التحكيم تطارد المنتجين المصريين وسط تعثر اتفاقيات التوريد

كتب عرفان صالح
أثار قرار فرض الرسوم الوقائية على واردات البليت جدلاً واسعاً داخل صناعة الحديد والصلب، وسط مخاوف من انعكاساته بإغلاق 20 من مصانع الدرفلة وملاحقة المنتجين بقضايا التحكيم الدولي على خلفية تعثر اتفاقياتهم مع الموردين، مما ينذر بالحجز على أموالهم بالبنوك ومصادرة أصول المصانع والشركات، في وقت تستهدف فيه الدولة حماية الصناعة المحلية وتعميق التصنيع وزيادة الصادرات.
وبينما كانت تستعد القاهرة لاستضافة قمة الصلب العربي الـ 19 التي ينظمها الاتحاد العربي للحديد والصلب خلال الفترة من 3 إلى 4 نوفمبر 2026 للمرة الأولى في مصر، بمشاركة كبار التنفيذيين وصناع القرار وخبراء قطاع التعدين والصلب لبحث مستجدات الصناعة والتحديات البيئية، فإن هذه التداعيات تنذر جدياً بعدم مشاركة مصانع الدرفلة غير المتكاملة في القمة، مما يعكس صورة سلبية عن القطاع في مصر.
وتأتي هذه المخاوف بالتزامن مع دراسة أعدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية لصالح اتحاد الصناعات المصرية، تناولت تأثير التدابير الوقائية المفروضة على واردات البليت على الصناعة المصرية ومختلف أطراف السوق، وحذرت من أن استمرار ما وصفته بالحماية المزدوجة للمصانع المتكاملة قد يؤثر على المنافسة داخل السوق ويزيد الضغوط على مصانع الدرفلة.
وقال أيمن العشري، رئيس غرفة القاهرة التجارية ورئيس مجموعة العشري للصلب، إن نتائج الدراسة تفتح الباب أمام ضرورة النظر إلى صناعة الحديد باعتبارها منظومة متكاملة، لا يمكن دعم حلقة منها بمعزل عن باقي حلقات الإنتاج، مشيراً إلى أن الهدف الأساسي يجب أن يكون حماية الصناعة المصرية بالكامل مع الحفاظ على المنافسة.
وأضاف العشري أن الدراسة تشير إلى أن مصانع الدرفلة تغطي نحو 20% من احتياجات السوق المحلية من حديد التسليح، وبالتالي فإن تعرض هذه المصانع لضغوط إضافية في تكلفة الإنتاج قد تكون له تداعيات على حجم المعروض والاستثمارات وفرص العمل.
وأوضح أن فرض رسوم على أهم مدخل إنتاج لمصانع الدرفلة يضع هذه المصانع أمام تحديات إضافية، خاصة إذا لم يكن الإنتاج المحلي من البليت كافياً لتلبية احتياجات السوق، مشدداً على أهمية ضمان توافر البليت بالكميات والأسعار المناسبة لجميع المنتجين.
وأشار العشري إلى أن الدراسة حذرت من أن اعتماد مصانع الدرفلة على شراء البليت من المصانع المتكاملة قد يخلق وضعاً تنافسياً معقداً، باعتبار أن المورد في هذه الحالة يمثل في الوقت نفسه منافساً للمصنع الذي يحصل منه على مدخل الإنتاج.
وأكد أن الحفاظ على المنافسة يجب أن يكون جزءاً أساسياً من أي سياسة لحماية صناعة الحديد، لأن زيادة تركّز سوق البليت في عدد محدود من المنتجين قد تؤدي إلى زيادة قدرتهم على التحكم في الأسعار والكميات المتاحة بالسوق.
ولفت إلى أن تأثير القرار لن يتوقف عند صناعة الحديد، موضحاً أن ارتفاع تكلفة البليت يرفع تكلفة إنتاج حديد التسليح، وهو ما يمكن أن يمتد إلى قطاعات التشييد والبناء والعقارات والصناعات الهندسية والأجهزة المنزلية والسيارات وغيرها من الصناعات التي تعتمد على الحديد والصلب.
ومن جانبه، قال طارق عبدالعظيم، رئيس مجموعة المدينة للصلب، إن الدراسة المعدة لصالح اتحاد الصناعات المصرية تؤكد أهمية تقييم القرار من منظور أوسع، بحيث لا تقتصر الحماية على منتجي البليت، وإنما تمتد إلى كامل منظومة صناعة الحديد وقدرتها على الإنتاج والتصدير.
وأضاف عبدالعظيم أن التحدي الرئيسي أمام مصانع الدرفلة يتمثل في ارتفاع تكلفة أهم مدخل إنتاج لديها، موضحاً أن أي زيادة في سعر البليت تنعكس بصورة مباشرة على تكلفة إنتاج حديد التسليح.
وأشار إلى أن مصانع الدرفلة أمام خيارين أساسيين، الأول هو استيراد البليت مع تحمل الرسوم الإضافية، والثاني هو الاعتماد على المنتج المحلي، وهو ما يتطلب وجود كميات كافية وأسعار تنافسية، حتى لا تتحول الرسوم إلى عبء على المصانع المحلية نفسها.
وأوضح أن الدراسة حذرت من أن محدودية المعروض المحلي من البليت، إلى جانب زيادة تكلفته، قد تدفع بعض مصانع الدرفلة إلى خفض معدلات التشغيل أو الخروج من السوق، وهو ما قد يؤدي إلى تراجع المنافسة وزيادة الضغوط على الأسعار.
وأكد عبدالعظيم أن حماية الصناعة لا يجب أن تقاس فقط بقدرتها على تقليل الواردات، وإنما بقدرتها على زيادة الإنتاج والقيمة المضافة والتصدير، مشيراً إلى أن ارتفاع تكلفة مدخلات الإنتاج قد يضعف قدرة الحديد المصري على المنافسة في الأسواق الخارجية.
ولفت إلى أن الدراسة أشارت كذلك إلى أن البليت يمثل نحو 85% من حديد التسليح، وبالتالي فإن أي زيادة في تكلفة هذه الخامة سيكون لها تأثير مباشر على المنتج النهائي، وهو ما قد ينعكس في النهاية على تكلفة البناء وأسعار الوحدات السكنية.
وقال عبدالعظيم إن الحل المستدام يتمثل في زيادة الطاقة الإنتاجية المحلية من البليت، بالتوازي مع الحفاظ على المنافسة، مشيراً إلى أن الدولة سبق أن أعلنت عن توجهات لإضافة طاقات جديدة لإنتاج البليت، وهو ما يمكن أن يساعد على سد الفجوة بين الإنتاج المحلي واحتياجات مصانع الدرفلة.
واتفق العشري وعبدالعظيم على أهمية التعامل مع ملف البليت ضمن استراتيجية شاملة لصناعة الحديد، تجمع بين حماية الصناعة المحلية، وضمان توافر مدخلات الإنتاج، والحفاظ على المنافسة، وزيادة الطاقات الإنتاجية، ودعم القدرة التصديرية.
وأكدَا أن الهدف النهائي يجب ألا يكون مجرد الحد من الواردات، وإنما بناء صناعة حديد أكثر قوة وكفاءة وقدرة على المنافسة إقليمياً ودولياً، بما يحافظ في الوقت نفسه على الاستثمارات القائمة ويحد من انتقال أي زيادات في التكلفة إلى المستهلك.