مقالات الرأي

د.عادل عامر يكتب: التزام مصر بأمن الخليج يُعد من الثوابت الأساسية في السياسة الخارجية المصرية الحديثة،

يُعد التزام جمهورية مصر العربية بأمن منطقة الخليج العربي أحد الثوابت المستقرة في سياستها الخارجية الحديثة، إذ يقوم على اعتبارات استراتيجية تتجاوز حدود التعاون السياسي التقليدي، ليعكس رؤية شاملة للأمن القومي العربي بوصفه منظومة متكاملة لا تتجزأ. وتنبع هذه الرؤية من الترابط التاريخي والجغرافي والاقتصادي بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي، إضافة إلى وحدة التحديات الإقليمية التي تواجه المنطقة.

 

شهدت العلاقات المصرية الخليجية طفرة كبيرة على مدار السنوات العشر الماضية، حيث كانت دول الخليج على رأس الدول التي تفهمت ودعمت الحراك الشعبي الكبير في ثورة 30 يونيو 2013، وأدركت مغزاها وضرورة الوقوف بجوارها.

 

من جانبها، قامت السياسة المصرية تجاه منطقة الخليج العربي على دعامتين أساسيتين، هما: الحفاظ على أمن الخليج بوصفه خطًاً أحمر لا تقبل مصر تجاوزه من أي طرف، أو إبداء استعدادها لتقديم الدعم بشكل حاسم للحفاظ على أمن دول الخليج عند الضرورة.

 

في هذا السياق، يبرز بشكل خاص الجهد المصري، سواء في مساندة المملكة العربية السعودية والانضمام للتحالف العربي في اليمن والتضامن مع السعودية والإمارات في مواجهة الاعتداءات الحوثية، أو في إطار تأمين الملاحة في البحر الأحمر وفي المنطقة الممتدة من بحر العرب جنوبا إلى شرق المتوسط شمالا، من خلال عضوية مصر في مهمة القوة البحرية المشتركة منذ أبريل 2021، وقيادة مصر عدة مرات لعدد من فرق العمل الخاصة بها مثل قوة المهام CTF 153 المعنية بتأمين الممرات البحرية في البحر الأحمر وخليج عدن وباب المندب، والفرقة CTF 154 المعنية بالتدريبات البحرية متعددة الجنسية. وتمثلت الدعامة الثانية في تعزيز العلاقات الثنائية مع دول الخليج في مختلف المجالات الاقتصادية والثقافية والتجارية والاستثمارية.

 

وهو التزام لا يقوم على اعتبارات ظرفية، بل على روابط تاريخية وجغرافية وأمن قومي عربي مشترك، إضافة إلى مصالح استراتيجية متبادلة بين مصر ودول مجلس التعاون الخليجي.

 

يمكن تناول هذا الالتزام من عدة زوايا:

 

أولًا: الأساس التاريخي والسياسي

 

ترتبط مصر بدول الخليج بعلاقات ممتدة منذ نشأة الدول العربية الحديثة، وقد لعبت القاهرة دورًا محوريًا في دعم استقرار الخليج في مراحل مختلفة، خصوصًا في فترات التوترات الإقليمية. كما أن دول الخليج كانت – ولا تزال – سندًا اقتصاديًا وسياسيًا لمصر في العديد من المراحل، بما يعكس طبيعة “التكامل الأمني” بين الطرفين.

 

ثانيًا: البعد الاستراتيجي والأمن القومي

 

تعتبر مصر أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من أمنها القومي العربي، وذلك بسبب:

 

الترابط الجغرافي غير المباشر عبر البحر الأحمر.

 

وحدة التهديدات الإقليمية (الإرهاب، الصراعات الإقليمية، التدخلات الخارجية).

 

أهمية الخليج كمصدر رئيسي للطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي، وهو ما ينعكس على استقرار المنطقة بأكملها.

 

ثالثًا: الإطار القانوني والسياسي للتعاون

 

لا يقوم التزام مصر على معاهدة دفاع مشترك شاملة مع دول الخليج، وإنما على:

 

اتفاقيات تعاون ثنائي في مجالات الدفاع والأمن.

 

المشاركة في آليات العمل العربي المشترك (جامعة الدول العربية).

 

التنسيق السياسي والأمني المستمر، خصوصًا في القمم العربية والخليجية-المصرية.

 

رابعًا: التطبيق العملي للالتزام

 

ظهر هذا الالتزام بوضوح في عدة محطات، منها:

 

المشاركة المصرية في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن عام 2015.

 

الدعم السياسي لمواقف دول الخليج في مواجهة التهديدات الإقليمية.

 

التعاون في مكافحة الإرهاب وحماية الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي.

 

خامسًا: البعد الاقتصادي والأمني المشترك

 

الأمن الخليجي مرتبط أيضًا بالاستقرار الاقتصادي المصري، حيث:

 

الاستثمارات الخليجية في مصر تمثل ركيزة للتنمية.

 

العمالة المصرية في الخليج عنصر استقرار اجتماعي واقتصادي متبادل.

 

أي تهديد لأمن الخليج ينعكس مباشرة على الاقتصاد المصري والعربي عمومًا.

 

 أولًا: الأساس التاريخي للعلاقات المصرية الخليجية

 

تتميز العلاقات بين مصر ودول الخليج العربي بعمق تاريخي ممتد، حيث لعبت مصر دورًا محوريًا في دعم استقرار الدول الخليجية منذ نشأتها الحديثة. وقد تجسدت هذه العلاقات في أشكال متعددة من التعاون السياسي والدعم المتبادل في الأزمات، بما أسهم في ترسيخ مفهوم التضامن العربي كأحد ركائز النظام الإقليمي. كما شكلت التحولات الإقليمية منذ منتصف القرن العشرين إطارًا لتعزيز التعاون، حيث تداخلت المصالح السياسية والاقتصادية والأمنية، بما جعل من العلاقة المصرية الخليجية علاقة استراتيجية وليست ظرفية.

 

ثانيًا: البعد الاستراتيجي والأمني

 

تعتبر مصر أن أمن الخليج العربي جزء لا يتجزأ من أمنها القومي، استنادًا إلى عدة اعتبارات:

 

وحدة التهديدات الإقليمية مثل الإرهاب والتطرف والتدخلات الخارجية.

 

أهمية الخليج كمركز رئيسي لإمدادات الطاقة العالمية.

 

ارتباط أمن الملاحة في البحر الأحمر والخليج العربي بالأمن المصري المباشر.

 

وعليه، فإن أي تهديد لأمن الخليج ينعكس بشكل مباشر على استقرار المنطقة العربية بأكملها، بما فيها مصر.

 

ثالثًا: الإطار القانوني والمؤسسي للتعاون

 

لا يقوم الالتزام المصري بأمن الخليج على معاهدة دفاع جماعي ملزمة، وإنما يستند إلى:

 

اتفاقيات ثنائية للتعاون العسكري والأمني بين مصر ودول الخليج.

 

آليات العمل في إطار جامعة الدول العربية.

 

التنسيق السياسي والأمني في القمم العربية المشتركة.

 

ويُعد هذا الإطار مرنًا بما يسمح بتطوير التعاون وفقًا للمتغيرات الإقليمية.

 

رابعًا: التطبيق العملي للالتزام المصري

 

تجلى الالتزام المصري بأمن الخليج في عدة مواقف عملية، من أبرزها:

 

المشاركة في التحالف العربي لدعم الشرعية في اليمن عام 2015.

 

دعم المواقف الخليجية في المحافل الدولية والإقليمية.

 

التعاون في مكافحة الإرهاب وتبادل المعلومات الأمنية.

 

تأمين الممرات البحرية المرتبطة بالبحر الأحمر.

 

خامسًا: البعد الاقتصادي في العلاقات الأمنية

 

يرتبط الأمن الخليجي ارتباطًا وثيقًا بالاستقرار الاقتصادي المصري، حيث:

 

تُعد الاستثمارات الخليجية أحد أهم مصادر دعم الاقتصاد المصري.

 

تمثل العمالة المصرية في دول الخليج عنصرًا مهمًا في تحقيق الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي.

 

ينعكس استقرار الخليج إيجابًا على تدفقات الطاقة والأسواق الإقليمية.

 

سادسًا: التحديات الإقليمية المشتركة

 

تواجه المنطقة العربية مجموعة من التحديات التي تعزز الحاجة إلى التنسيق المصري الخليجي، ومنها:

 

تصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط.

 

التهديدات غير التقليدية مثل الهجمات السيبرانية.

 

الأزمات السياسية في عدد من الدول العربية.

 

بالفعل، يُعد التزام مصر بأمن الخليج العربي ركيزة استراتيجية وثابتاً راسخاً في سياستها الخارجية، ويمكن تلخيص أبعاد هذا الالتزام في النقاط التالية:

 

مبدأ “أمن الخليج من أمن مصر”: تتبنى القاهرة عقيدة أمنية تعتبر أن أي تهديد مباشر لدول الخليج العربي هو تهديد مباشر للأمن القومي المصري

 

.الشراكة الاستراتيجية: تربط مصر ودول الخليج (خاصة السعودية والإمارات والكويت) علاقات وثيقة تعتمد على التنسيق السياسي، والاقتصادي، والعسكري

 

.التعاون العسكري: تشارك مصر في مناورات عسكرية مشتركة، وتؤكد دائماً على جاهزيتها لدعم أشقائها في الخليج في مواجهة أي تهديدات خارجية

 

.رفض التدخلات الخارجية: تدعم مصر بقوة استقرار وسيادة دول الخليج وترفض التدخل في شؤونها الداخلية من قبل قوى إقليمية أو دولية

 

.هذا الالتزام يعكس عمق العلاقات التاريخية والمصالح المشتركة، ويعزز من التضامن العربي في مواجهة التحديات الإقليمية.   

 

خاتمة

 

يمكن القول إن التزام مصر بأمن الخليج العربي يمثل خيارًا استراتيجيًا ثابتًا في السياسة الخارجية المصرية، يقوم على إدراك عميق بأن الأمن العربي كلٌ لا يتجزأ. ومن ثم فإن استقرار الخليج يُعد ركيزة أساسية لاستقرار مصر والمنطقة بأسرها، في إطار من التعاون والتكامل الاستراتيجي المستمر. التزام مصر بأمن الخليج ليس شعارًا سياسيًا، بل هو جزء من رؤية استراتيجية تعتبر أن الأمن العربي كلٌ لا يتجزأ، وأن استقرار الخليج يمثل ركيزة لاستقرار مصر والمنطقة بأكملها، والعكس صحيح. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى