محمد أبو طالب يكتب : داخل أحزاب المعارضة… حين يتحول الخلاف إلى معركة إلغاء
في أحزاب المعارضة لا يكون الخطر الحقيقي في وجود الاختلاف بل في الطريقة التي يتم بها التعامل مع هذا الاختلاف حين يتحول النقاش من ساحة للأفكار إلى ساحة لتجريد البعض من حقهم في الوجود السياسي داخل الحزب نفسه هنا لا نكون أمام حالة صحية تعكس حيوية المعارضة بل أمام لحظة انكسار داخلي تضرب جوهر الفكرة التي قامت عليها هذه الأحزاب لأن المعارضة في أصلها وجدت لتوسيع المجال العام لا لتضييقه من داخلها
حين يبدأ تيار داخل حزب معارض في نزع الشرعية عن تيار آخر فإنه لا يناقش برنامجا ولا يفند رؤية بل يعيد تعريف من يملك الحق في تمثيل الحزب ومن لا يملكه وهنا تتحول القضية من سؤال طبيعي هل هذا الطرح يخدم خط المعارضة إلى سؤال أخطر هل هؤلاء يمثلون المعارضة من الأساس وبذلك يتم نقل الصراع من مستوى التنافس السياسي إلى مستوى الإقصاء التنظيمي وهي أخطر نقطة يمكن أن تصل إليها أي بنية حزبية
نرى ذلك بوضوح في تجارب متعددة داخل أحزاب معارضة حيث تتحول الخلافات حول التحالفات الانتخابية أو المواقف من السلطة أو حتى ترتيب الأولويات إلى صراع على الشرعية فبدلا من أن يقول طرف نحن نختلف حول أسلوب المواجهة يقول هذا الطرف إن الآخر قد خرج عن خط الحزب أو فقد صفته النضالية أو لم يعد معبرا عن القاعدة الشعبية وبذلك يتم عزله معنويا قبل أن يتم إقصاؤه تنظيميا
في تلك اللحظة يفقد النقاش قيمته ويتحول إلى أداة تصفية داخلية لأن الهدف لم يعد الوصول إلى أفضل مسار للمعارضة بل تقليص عدد الأصوات المؤثرة داخل الحزب وهنا تصبح كل الوسائل متاحة من التشكيك في النوايا إلى تصنيف الأفراد إلى صناعة روايات داخلية عن من هو المخلص ومن هو المتخاذل وكل ذلك لا ينتج معارضة أقوى بل ينتج كيانا مرتبكا يستهلك طاقته في صراعاته الداخلية
ومع تكرار هذا السلوك تبدأ المساحات داخل الحزب في الضيق تدريجيا كل تيار يتم تهميشه يترك فراغا وكل صوت يتم إسكاته يقلل من قدرة الحزب على تمثيل طيف أوسع من المجتمع ومع الوقت يتحول الحزب من مظلة جامعة للمعارضة إلى دائرة مغلقة تعكس رؤية مجموعة محدودة فقط وهنا يبدأ الضعف الحقيقي لأن أحزاب المعارضة لا تضعف فقط بسبب الضغط الخارجي بل تضعف حين تفقد تنوعها الداخلي
إن الاختلاف داخل أحزاب المعارضة ليس أزمة بل هو دليل على حيويتها لأن وجود أكثر من رؤية وأكثر من اجتهاد هو ما يمنحها القدرة على التطور والتكيف مع المتغيرات أما حين يتم تحويل هذا الاختلاف إلى معركة وجود فإن الحزب يخسر أهم ما يميزه وهو قدرته على احتواء التباين وتحويله إلى قوة دفع لا إلى عامل هدم
المشكلة ليست في وجود تيارات مختلفة داخل الحزب بل في تحويل هذه التيارات إلى خصوم يجب التخلص منهم لأن الإلغاء لا يصنع معارضة قوية بل يصنع كيانا هشا يخاف من أي رأي مختلف ويخشى من أي صوت مستقل وهنا تتحول الأحزاب التي يفترض أن تدافع عن التعددية إلى نماذج مصغرة من الإقصاء الذي تعارضه في المجال العام
والسياسة داخل أحزاب المعارضة ليست سباقا لكسب لحظة أو السيطرة على قرار داخلي بل هي عملية بناء مستمرة لكيان قادر على الاستمرار والتأثير وهذا لا يتحقق إلا بوجود قواعد واضحة تحكم الخلاف وتمنع تحوله إلى صراع شخصي أو إلى محاولات منظمة لنزع الشرعية لأن الحزب الذي لا يستطيع إدارة خلافاته الداخلية لن يستطيع إدارة خلافه مع السلطة أو مع المجتمع
إن الحفاظ على وحدة الحزب لا يعني غياب الخلاف بل يعني القدرة على إدارة هذا الخلاف دون تدمير المساحات المشتركة لأن الأحزاب لا تبنى على التطابق بل على التوازن وكلما ضاقت المساحات داخل الحزب كلما اقترب من فقدان دوره الحقيقي كصوت معارض قادر على تمثيل الناس والتعبير عنهم
ولذلك فإن أخطر ما يمكن أن يحدث داخل أحزاب المعارضة ليس أن تختلف قياداتها أو قواعدها بل أن تفقد القدرة على إدارة هذا الاختلاف بشكل صحي لأن اللحظة التي يتم فيها نزع الشرعية عن تيار داخل الحزب هي اللحظة التي يبدأ فيها الحزب نفسه في فقدان شرعيته أمام المجتمع دون أن يشعر
وفي النهاية يبقى السؤال الحقيقي ليس من انتصر في الصراع الداخلي ولا من نجح في إقصاء الآخر بل هل ما زال الحزب قادرا على استيعاب الجميع أم أنه تحول إلى كيان ضيق لا يعبر إلا عن نفسه لأن الإجابة على هذا السؤال هي التي تحدد ما إذا كانت هذه الأحزاب تسير نحو بناء معارضة حقيقية أم نحو تفكك بطيء يبدأ من الداخل ويتسع حتى يفقدها دورها تماما في المشهد السياسي




