
كتب : محمد موسى
في محاولة لفتح مسار جديد أمام حلول حماية السواحل، بدأت دراسة مصرية متخصصة اختبار إمكانية تحويل الأقمشة غير المنسوجة، المستخدمة في تطبيقات المنسوجات التقنية، إلى مكون هندسي يمكن توظيفه ضمن منظومة متكاملة لمواجهة تآكل الشواطئ، وذلك من خلال سلسلة اختبارات معملية تمهد للانتقال إلى نموذج تجريبي في البيئة الطبيعية.
وقالت المهندسة أميرة عبد الكريم، مهندسة الغزل والنسيج، إن المشروع انتقل من مرحلة طرح فكرة الاستفادة من الأقمشة غير المنسوجة إلى مرحلة أكثر تخصصًا تستهدف تحديد الخامات الأكثر ملاءمة للاستخدام المقترح، ودراسة قدرتها على أداء وظيفة هندسية حقيقية في الظروف الساحلية.
وأوضحت أن السؤال الرئيسي الذي تحاول الدراسة الإجابة عنه هو مدى إمكانية تحويل الخصائص التي تتمتع بها الأقمشة غير المنسوجة إلى أداء هندسي فعلي يمكن الاستفادة منه في حماية الشواطئ، مشيرة إلى أن الإجابة بدأت من داخل المعمل عبر إخضاع الخامات لمجموعة من الاختبارات المتخصصة.
وأضافت أن الاختبارات لا تستهدف اختيار قماش يتمتع بخاصية واحدة متميزة، وإنما مقارنة الخامات ودراسة سلوكها من أكثر من جانب، بما يشمل الخواص الميكانيكية، واختبارات الشد والاستطالة، ومقاومة الثقب والتمزق، واختبارات النفاذية، والاختبارات المرتبطة بالترشيح، إلى جانب القياسات الفيزيائية الأساسية للخامات.
وأكدت عبد الكريم أن نتيجة اختبار واحد لا يمكن أن تكون العامل الحاسم في اختيار الخامة، إذ تتم قراءة النتائج بصورة متكاملة للوصول إلى المادة الأكثر توافقًا مع الوظيفة المستهدفة والظروف التي ستتعرض لها داخل البيئة الساحلية.
وأشارت إلى أن الخامة المستخدمة في هذا النوع من التطبيقات تواجه متطلبات متعددة في الوقت نفسه، فهي مطالبة بتحمل تأثيرات ميكانيكية مختلفة، مع ضرورة توافق خصائصها مع حركة المياه وطبيعة التربة، وهو ما يجعل الاختبارات المعملية مرحلة أساسية لفهم سلوك الخامات وتحديد نقاط القوة والاختلاف بينها قبل الانتقال إلى مراحل التصميم والتجريب.
ولفتت إلى أن هذا التوجه يعكس طبيعة هندسة المنسوجات التقنية، التي لا تتعامل مع القماش باعتباره منتجًا نسيجيًا تقليديًا، وإنما كمادة هندسية تمتلك مجموعة من الخصائص التي يجب أن تتوافق مع الوظيفة التي صُممت لأدائها.
وقالت إن عملية اختيار الخامة يتم التعامل معها باعتبارها عملية هندسية متعددة المعايير، إذ لا يعني الحصول على قيمة مرتفعة في أحد الاختبارات أن الخامة هي الأفضل بصورة مطلقة، وإنما يعتمد الاختيار على مجموعة الخصائص مجتمعة وعلى طبيعة الاستخدام النهائي.
وأوضحت أن إحدى النقاط الرئيسية التي تطورت في المشروع تمثلت في تجاوز فكرة استخدام الـGeotextile كحل منفرد، والاتجاه إلى دراسة إمكانية دمجه مع وسائل الحماية الهندسية الأخرى، بحيث يؤدي كل عنصر وظيفة محددة داخل منظومة متكاملة.
وأكدت أن الهدف ليس تقديم الأقمشة الهندسية باعتبارها بديلًا مباشرًا لجميع وسائل حماية الشواطئ التقليدية، وإنما بحث الدور الذي يمكن أن تؤديه داخل نظام هندسي أكثر مرونة، يمكن تعديل مكوناته وفقًا لطبيعة كل موقع ساحلي والظروف المحيطة به.
وأضافت أن الاختبارات المعملية تمثل مرحلة من مراحل المشروع وليست نهايته، موضحة أن الخطوة التالية تتمثل في دراسة إمكانية تطوير نموذج تجريبي ميداني يسمح بتقييم أداء النظام في الظروف الطبيعية.
وأشارت إلى أن الانتقال إلى التجربة الميدانية يتطلب اختيار موقع مناسب ودراسة مجموعة من العوامل المرتبطة به، إلى جانب تصميم تجربة تسمح بمراقبة أداء النظام ومقارنة النتائج على مدار فترة زمنية، مؤكدة أن التطبيق الميداني لن يتم بصورة عشوائية وإنما بعد استكمال مراحل الدراسة والتأكد من أن التصميم المقترح يستند إلى نتائج علمية كافية.
وأوضحت عبد الكريم أنه في حال الانتقال إلى التجارب الميدانية، سيتم تقييم النموذج من خلال مجموعة من المؤشرات العلمية والهندسية، من بينها مدى استقرار التربة، والتغير في معدلات التآكل، وحالة الخامة بعد تعرضها للظروف الطبيعية، وأداء النظام أثناء حركة المياه والأمواج، واستقرار عناصر الحماية المستخدمة معه، ومدى استمرار أدائه خلال فترة التجربة.
وأضافت أن البيانات التي سيتم الحصول عليها من التجارب الميدانية ستساعد في تحديد نقاط القوة والجوانب التي تحتاج إلى تطوير، قبل اتخاذ أي خطوات نحو توسيع نطاق التطبيق.
وأكدت أن المشروع في مرحلته الحالية لا يقدم الأقمشة غير المنسوجة باعتبارها بديلًا نهائيًا لجميع وسائل حماية الشواطئ، وإنما يطرح مسارًا بحثيًا وهندسيًا قابلًا للاختبار والتطوير، بدأ بدراسة الفكرة واختيار الخامات، ثم إجراء الاختبارات المعملية وتحليل نتائجها، وتطوير تصور لدمج الأقمشة الهندسية مع وسائل الحماية الأخرى، وصولًا إلى نموذج تجريبي يمكن تقييمه ميدانيًا.
وقالت إن أهمية التجربة تتمثل كذلك في نقل هندسة النسيج إلى مجال جديد يرتبط بالتربة والمياه وحماية البيئة، بحيث يمكن لخامة تبدأ دراستها داخل معامل النسيج أن تتحول إلى جزء من منظومة هندسية متعددة التخصصات.
وشددت عبد الكريم على أن الهدف النهائي ليس مجرد إنتاج قماش جديد، وإنما تحويل إمكانات المنسوجات التقنية إلى حل هندسي قابل للاختبار والتطوير، يمكن أن يساهم مستقبلًا في التعامل مع تحديات تآكل السواحل المصرية، على أن تكون نتائج التجارب والبيانات العلمية هي الفيصل في تحديد مدى نجاح الفكرة وإمكانية تطويرها وتوسيع نطاق تطبيقها.





