المستشارشاهين يكتب : البورصات العالمية في مواجهة العواصف الجيوسياسية

بقلم المستشار الدكتور فاروق شاهين الخبير الأقتصادي
تشهد الأسواق المالية العالمية خلال الفترة الحالية حالة من الترقب والحذر نتيجة تصاعد التوترات الجيوسياسية والحروب الإقليمية التي تشهدها بعض مناطق العالم، وعلى رأسها منطقة الشرق الأوسط. فالبورصات بطبيعتها تعد مرآة حساسة للأحداث السياسية والاقتصادية، إذ تتفاعل بشكل سريع مع أي متغيرات قد تؤثر على الاستقرار الاقتصادي أو حركة التجارة الدولية.
لقد أثبتت التجارب الاقتصادية عبر التاريخ أن الأزمات السياسية والعسكرية تعد من أهم العوامل التي تؤدي إلى تقلبات حادة في الأسواق المالية العالمية، حيث تؤثر هذه الأحداث على قرارات المستثمرين وتدفعهم إلى إعادة تقييم المخاطر الاستثمارية، الأمر الذي يؤدي غالباً إلى موجات من البيع أو التحوط في الأصول الآمنة مثل الذهب والسندات الحكومية.
وفي ظل الأحداث الجارية حالياً، شهدت العديد من البورصات العالمية تذبذباً ملحوظاً في مؤشرات الأسهم نتيجة ارتفاع درجة عدم اليقين لدى المستثمرين بشأن مستقبل الاقتصاد العالمي، خاصة مع المخاوف المرتبطة باضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع أسعار الطاقة، وهو ما قد يؤدي إلى زيادة معدلات التضخم عالمياً.
وتعد أسواق المال في الدول الناشئة من أكثر الأسواق تأثراً بهذه التوترات، نظراً لاعتمادها بدرجة كبيرة على تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية. فعند تصاعد المخاطر الجيوسياسية، يميل المستثمرون الدوليون إلى سحب جزء من استثماراتهم من هذه الأسواق والاتجاه نحو الأسواق الأكثر استقراراً أو الأصول الآمنة، وهو ما يؤدي إلى تراجع مؤشرات الأسهم في هذه الدول.
أما بالنسبة للبورصة المصرية، فإنها لا تعمل بمعزل عن حركة الاقتصاد العالمي، بل تتأثر بشكل مباشر وغير مباشر بالتطورات الاقتصادية والسياسية الدولية.
فعند حدوث توترات إقليمية أو عالمية، ينعكس ذلك على سلوك المستثمرين في السوق المصري، خاصة المستثمرين الأجانب، الذين قد يتجهون إلى تقليل مستويات المخاطرة في استثماراتهم مؤقتاً.
وقد شهدت البورصة المصرية بالفعل بعض التراجعات والتقلبات في فترات تصاعد التوترات الإقليمية، نتيجة عمليات بيع من جانب بعض المستثمرين الأجانب، إضافة إلى حالة الترقب التي تسيطر على المستثمرين المحليين. ومع ذلك، فإن هذه التأثيرات غالباً ما تكون قصيرة الأجل، حيث سرعان ما تستعيد الأسواق المالية توازنها بمجرد وضوح الرؤية السياسية والاقتصادية.
ومن المهم التأكيد على أن قوة أي سوق مالية لا تقاس فقط بمدى تأثرها بالأزمات، وإنما بقدرتها على التعافي السريع واستعادة الثقة. وفي هذا الإطار، تتمتع البورصة المصرية بعدد من المقومات التي تساعدها على مواجهة التقلبات العالمية، من بينها تنوع القطاعات الاقتصادية المقيدة في السوق، وتزايد دور المستثمر المحلي، إضافة إلى الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها الدولة المصرية خلال السنوات الماضية.
كما أن استمرار برنامج الطروحات الحكومية وتوسيع قاعدة الشركات المقيدة في البورصة من شأنه أن يعزز من عمق السوق ويزيد من قدرته على استيعاب الصدمات الخارجية. فكلما زاد عدد الشركات والقطاعات المدرجة في السوق، ارتفعت كفاءته في مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.
وفي ضوء ما سبق، يمكن القول إن الأحداث الجيوسياسية الحالية قد تؤدي إلى بعض التقلبات المؤقتة في البورصات العالمية ومن بينها البورصة المصرية، إلا أن التأثير الحقيقي لهذه الأزمات يعتمد على مدى استمرارها واتساع نطاقها. فكلما طالت مدة الصراع أو اتسع نطاقه، زادت الضغوط على الاقتصاد العالمي وأسواق المال.
ومع ذلك، فإن التاريخ الاقتصادي يؤكد أن الأسواق المالية قادرة دائماً على التكيف مع الأزمات، وأن فترات التراجع غالباً ما تتحول لاحقاً إلى فرص استثمارية جديدة، خاصة بالنسبة للمستثمرين الذين يعتمدون على الرؤية طويلة الأجل.
وفي النهاية، تظل البورصة أداة مهمة لدعم النمو الاقتصادي وجذب الاستثمارات، وهو ما يستدعي استمرار العمل على تعزيز الثقة في السوق المصري وتطوير بيئة الاستثمار، بما يمكنه من مواجهة التحديات العالمية وتحويل الأزمات إلى فرص حقيقية للتنمية الاقتصادية.




