عرب وعالم

الدكتور احمد بوسكرة يكتب: الذكاء الاصطناعي بالرياضة بوابة الجزائر لصناعة الأبطال الأولمبيين

الجزائر.. بقلم: الدكتور احمد بوسكرة الاستاذ بجامعة مسيلة

الذكاء الاصطناعي.. السلاح الخفي لصناعة البطل الأولمبي في الجزائر

إن المتتبع لمسار النتائج القياسية التي تحققت في الدورات الأولمبية والبطولات العالمية في السنوات الأخيرة، يدرك بوضوح أن التفوق في أداء الرياضيين، بالإضافة إلى العوامل الوراثية والجينية التي نعرفها بالفطرة، والعوامل البيئية المتعلقة بالتحضير واستعمال طرق التدريب وفيزيولوجيا الجهد البدني، والتدريب ما فوق التعب، أصبح مرتبطًا بشكل كبير بحسن استخدام التقنيات الحديثة، وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي في التدريب والتحضير الرياضي.

من التدريب التقليدي إلى الثورة الرقمية.. هل يقود الذكاء الاصطناعي الرياضة الجزائرية للعالمية؟

فاليوم، أصبح الوصول إلى المنصة الأولمبية يعتمد بشكل أدق على توظيف أدوات ذكية تساعد المدربين على فهم أدقّ لأداء الرياضيين. فمن خلال التحليل الحركي والبيوميكانيكي، يمكن تفكيك كل حركة رياضية إلى عناصر دقيقة، كما تُمكّن هذه التقنيات من متابعة الحالة البدنية والفيزيولوجية للرياضي، والتنبؤ بالإصابات قبل وقوعها، وهو ما يسمح بالتدخل في الوقت المناسب وتحسين الأداء بشكل مستمر.

حين يتحدث الذكاء الاصطناعي بلغة البطولات.. الجزائر تبدأ التحول

وقد أكدت تقارير اللجنة الأولمبية الدولية أن الدول التي اعتمدت على تحليل البيانات في تحضير رياضييها تمكنت من اتخاذ قرارات أكثر دقة وفعالية، تجمع بين الخبرة الميدانية والمعرفة العلمية، وهو ما ساهم بشكل مباشر في تحقيق نتائج متميزة وتحطيم أرقام قياسية.

ولم يعد استخدام الذكاء الاصطناعي مقتصرًا على التدريب فقط، بل امتد ليشمل تنظيم وإدارة المنافسات الكبرى مثل الألعاب الأولمبية والبطولات العالمية. ففي هذه التظاهرات، تُستخدم أنظمة ذكية لضبط توقيت المنافسات، وتسيير تنقلات الرياضيين والوفود، وتنظيم استقبال الجماهير وتوجيههم داخل الملاعب، بما يضمن انسيابية الحركة وتوفير أفضل الظروف للجميع.

كما تلعب هذه التقنيات دورًا مهمًا في دعم التحكيم، حيث اعتمد الاتحاد الدولي لكرة القدم (FIFA) تقنيات متطورة لتحديد حالات التسلل بدقة عالية، مما ساهم في تقليل الأخطاء التحكيمية. وفي السياق نفسه، يستخدم الاتحاد الدولي لألعاب القوى أنظمة دقيقة لقياس النتائج وتحليل الأداء في أجزاء من الثانية، وهو ما يعزز مبدأ العدالة ويضمن مصداقية النتائج.

الذكاء الاصطناعي في الرياضة.. رهان الجزائر الجديد لصناعة المجد الأولمبي

إن هذه التجارب مجتمعة تؤكد أن الرياضة في العالم أصبحت تُدار بمنظومة تعتمد على المعلومة الدقيقة والتنظيم المحكم، ومن هنا فإن الحديث عن صناعة بطل أولمبي اليوم يمرّ حتمًا عبر الاستخدام الذكي لهذه الأدوات، سواء في التحضير أو في إدارة المنافسات.

وعليه، فإن إدماج الذكاء الاصطناعي في الرياضة أصبح ضرورة حتمية لمواكبة المستوى العالمي وتحقيق نتائج مستدامة.

بين الطموح والتطبيق.. هل تنجح لجنة الذكاء الاصطناعي في تطوير الرياضة الجزائرية؟

ورغم هذا التحول الكبير الذي يشهده العالم في مجال توظيف الذكاء الاصطناعي في الرياضة، ورغم النتائج المبهرة التي حققتها الدول التي أحسنت استغلال هذه التقنيات، يبقى التساؤل مطروحًا بإلحاح عند إسقاط هذا الواقع على الساحة الرياضية الوطنية.

فالرياضة الجزائرية، ورغم ما تزخر به من طاقات بشرية ومواهب واعدة، خاصة في الرياضات الفردية والقتالية، ما تزال في كثير من الأحيان تعتمد على أساليب تقليدية في التحضير والتسيير، حيث يظل القرار الرياضي مبنيًا بدرجة كبيرة على الخبرة الشخصية والاجتهاد الفردي، مقابل حضور محدود لاستخدام البيانات والتحليل العلمي في توجيه الأداء وصناعة النتائج.

وفي ظل هذا التباين، هل يمكن للاتحادات الرياضية الوطنية محاكاة ما يجري عالميًا؟

وهل يمكن للمدربين الانتقال من التدريب المعتمد على الخبرة الشخصية والموهبة إلى إدخال تقنيات حديثة والتحكم فيها لتحقيق التميز الأولمبي؟

الجزائر تدخل عصر الرياضة الذكية باستحداث لجنة الذكاء الاصطناعي

وفي خضم هذه التحولات، أقدمت اللجنة الأولمبية والرياضية الجزائرية إلى استحداث لجنة الذكاء الاصطناعي، وهي سابقة وطنية تندرج في إطار السياسة العامة التي أقرها رئيس الجمهورية، والمتعلقة برقمنة مختلف القطاعات.

وهي مبادرة تعكس درجة الوعي لدى الهيئة الأولمبية الجزائرية بضرورة مواكبة هذا المسار العالمي، بمبادرة من رئيسها عبد الرحمن حماد.

لجنة الذكاء الاصطناعي في الرياضة.. خطوة جزائرية نحو منصة التتويج

هذه اللجنة تضم خبراء في مختلف التخصصات، من علوم الرياضة إلى تحليل البيانات والتكنولوجيا، وتهدف إلى إعداد رؤية استراتيجية تتماشى مع التوجهات العالمية في مجال استخدام الذكاء الاصطناعي في تطوير الأداء الرياضي وصناعة الأبطال.

ويعكس هذا التوجه إدراكًا متزايدًا بأن الانتقال إلى الرياضة الحديثة يحتاج إلى رؤية واضحة تُحوّل الإمكانيات المتوفرة إلى نتائج ملموسة.

ومن منظور شخصي، فحتى تحقق هذه اللجنة الأهداف التي أُنشئت من أجلها، ينبغي أولًا أن تنطلق من:

إعداد نظام داخلي يحدد مهامها وأهدافها بدقة.

دراسة تشخيصية دقيقة لواقع الرياضة الوطنية حسب مختلف الرياضات، وتحديد الفجوات الحقيقية في مجالات التحضير، التتبع، واتخاذ القرار.

تحديد الأولويات كتجربة ميدانية، لبعث الرياضات التي تصنع المجد الرياضي الجزائري في البطولات الأولمبية القادمة.

بناء قاعدة بيانات وطنية موحدة للرياضيين تكون مرجعًا أساسيًا في التحليل والتخطيط.

إدماج الأدوات الذكية بشكل تدريجي داخل المنظومة الرياضية.

تنظيم دورات تكوينية تطبيقية للمدربين والرياضيين حول أهم التقنيات والتطبيقات الذكية في التدريب الرياضي، مع تطبيقات عملية في التدريب، متابعة الأداء، والوقاية من الإصابات، مع مرافقة مستمرة للمدربين والإطارات لضمان حسن استخدام هذه التقنيات.

الرياضة الجزائرية على أعتاب ثورة رقمية بقيادة الذكاء الاصطناعي

أما على المدى البعيد، فإن الرهان الحقيقي يتمثل في بناء منظومة متكاملة تربط بين الهيئات الرياضية، الجامعات، ومراكز البحث، بما يسمح بإنتاج معرفة وطنية في مجال الذكاء الاصطناعي الرياضي.

غير أن تحقيق هذه الرؤية يبقى مرهونًا بتوفر مجموعة من الشروط الأساسية، أهمها وضوح الأهداف، استمرارية العمل، التنسيق بين مختلف الفاعلين، وتوفير بيئة تنظيمية تسمح بالابتكار والتجريب، لأن أي مشروع، مهما كانت أهميته، قد يفقد أثره إذا لم يُترجم إلى ممارسات فعلية على أرض الواقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى