السيد خلاف يكتب : استبعاد مصر من مفاوضات واشنطن وطهران… هل تم شراء القرار الإقليمي؟
في لحظة فارقة من تاريخ الإقليم، حيث تُعاد صياغة خرائط النفوذ وموازين القوة، غابت القاهرة عن واحدة من أخطر طاولات التفاوض في الشرق الأوسط: المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران.
غياب لا يمكن تفسيره بالصدفة، ولا حتى بتعقيدات البروتوكول الدبلوماسي، بل يفتح الباب أمام سؤال أكثر حدة وخطورة: هل أصبح الحضور على طاولة القرار يُشترى… لا يُستحق؟.
من حيث الشكل، تبدو المفاوضات تقنية، تدور حول النووي والصواريخ ونفوذ طهران الإقليمي. لكن في جوهرها، هي عملية إعادة توزيع للنفوذ في المنطقة، وتحديد من يملك حق التأثير، ومن يُطلب منه فقط التكيّف مع النتائج.
القاهرة، الدولة التي كانت لعقود طويلة حجر الزاوية في التوازنات العربية، وجدت نفسها خارج غرفة تُصاغ فيها معادلات تمس أمنها القومي بشكل مباشر، ليس لأن مصر بلا وزن، بل لأن قواعد اللعبة تغيّرت.
اليوم، لم يعد “الثقل التاريخي” كافيًا.
المعادلة الجديدة تُبنى على ثلاثة عناصر: من يدفع، من يُستهدف، ومن يملك أوراق الضغط.
وفي هذا السياق، تقدمت دول مثل السعودية والإمارات إلى واجهة المشهد، ليس فقط لأنها في مرمى النفوذ الإيراني، بل لأنها دفعت – سياسيًا وماليًا – فاتورة المواجهة.
مليارات الدولارات أُنفقت في صفقات تسليح، وتحالفات أمنية، وتنسيق مباشر مع واشنطن، بل ومع إسرائيل، تحت عنوان واحد: تحجيم إيران بأي ثمن.
لكن هنا تكمن المفارقة الصادمة:هذه المليارات، التي أُنفقت في سباق المواجهة، كانت كفيلة – لو أُعيد توجيهها – ببناء منظومة دفاع عربي مشترك بحجم حلف الناتو، قادرة على فرض توازن حقيقي في المنطقة، لا مجرد استدعاء قوة خارجية لإدارة الصراع.
بدلًا من ذلك، تحولت الأموال إلى أداة لإعادة تشكيل خريطة النفوذ، حيث أصبح من يموّل الصراع شريكًا في قرار إنهائه.
في المقابل، اختارت مصر مسارًا مختلفًا، لم تنخرط في مشروع التصعيد، ولم تدخل في سباق شراء النفوذ، ولم تُوظف مواردها في تغذية الصراع. تبنّت سياسة أكثر توازنًا، تقوم على احتواء التوتر لا تفجيره، وعلى حماية الدولة لا المغامرة بها.
لكن السياسة – كما يبدو – لا تكافئ دائمًا من يتصرف بعقلانية.
ففي نظام إقليمي يعاد تشكيله على وقع الصفقات و الاصطفافات الحادة، يصبح الصوت الهادئ أقل حضورًا، حتى لو كان أكثر حكمة.
استبعاد مصر، إذن، ليس إقصاءً تقنيًا، بل انعكاس لتحول أعمق:
المنطقة لم تعد تُدار بالعواصم التاريخية، بل بمراكز التمويل والنفوذ المباشر.
والسؤال الأخطر الذي يجب أن يُطرح الآن:هل ما جرى هو مجرد إعادة توزيع أدوار.. أم بداية لتهميش متعمد لدور مصر الإقليمي، والأخطر من ذلك: إذا كانت طاولة التفاوض قد تشكّلت بهذا الشكل، فمن يضمن ألا تُفرض نتائجها لاحقًا على الجميع، بمن فيهم من تم استبعادهم؟.
في النهاية، ما يحدث ليس مجرد مفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، بل هو اختبار حقيقي لمستقبل النظام العربي: هل يبقى قائمًا على التوازن والتكامل.. أم يتحول إلى ساحة تُدار بمنطق الدفع مقابل القرار؟
الإجابة لم تعد نظرية..بل تُكتب الآن، في غرف مغلقة، غابت عنها القاهرة ، لكنها ستدفع، كغيرها، ثمن ما يُتفق عليه داخلها.
و ما لم يُقال صراحة، هو أن هذا الاستبعاد تزامن مع امتعاض خليجي واضح من الموقف المصري.
مصر لم تكتفِ بالابتعاد عن طاولة الحرب، بل اتخذت موقفًا أكثر وضوحًا: رفض الانخراط في أي مواجهة عسكرية ضد إيران، ورفض تحويل الإقليم إلى ساحة حرب مفتوحة تُدار لصالح حسابات دولية.
في الوقت الذي كانت فيه السعودية والإمارات تمضيان في مسار تصعيدي، قائم على التنسيق مع واشنطن وإسرائيل، كانت القاهرة تسير في الاتجاه المعاكس:
– لا للحرب
– لا لتفجير الإقليم
– لا للانخراط في صراع قد يعيد المنطقة إلى فوضى شاملة.
هذا التباين لم يكن بسيطًا، بل خلق فجوة في الرؤية الاستراتيجية، فمن وجهة نظر بعض العواصم الخليجية، فإن لحظة المواجهة مع إيران كانت تتطلب اصطفافًا عربيًا كاملًا، خاصة من دولة بحجم مصر.
لكن القاهرة قرأت المشهد بشكل مختلف: الحرب مع إيران ليست معركة حسم.. بل بوابة لانفجار إقليمي لا يمكن السيطرة عليه.
وهنا تظهر المفارقة الأكثر حدة:
دول الخليج دفعت – ولا تزال – فاتورة ضخمة لهذه المواجهة، عبر صفقات تسليح، وتحالفات عسكرية، وترتيبات أمنية مع الولايات المتحدة، وتنسيق مباشر مع إسرائيل.
فاتورة بمليارات الدولارات، كان يمكن – لو أُعيد توجيهها – أن تؤسس لنواة قوة عربية مشتركة على غرار الناتو، تفرض توازنًا إقليميًا مستقلًا،لكن بدلًا من ذلك، تحولت هذه الفاتورة إلى أداة نفوذ: من يدفع أكثر.. يجلس أقرب إلى طاولة القرار.
ومن هنا يمكن فهم أحد أسباب استبعاد مصر: القاهرة لم تشارك في تمويل المواجهة، ولم تنخرط في مشروع الحرب، ولم تمنح الغطاء السياسي للتصعيد.
وبالتالي، لم تُعتبر – في منطق إدارة هذا الملف – طرفًا “مؤثرًا” في مسار التفاوض، لكن هذا التفسير، رغم واقعيته، يظل قاصرًا إن لم يُقرأ في سياق أوسع: مصر لم تُستبعد لأنها غائبة.. بل لأنها اختارت أن تكون خارج لعبة خطرة.
القاهرة راهنت على أن التهدئة، لا الحرب، هي الطريق الوحيد للحفاظ على استقرار الإقليم، ورفضت أن تكون جزءًا من معادلة تُدار فيها الصراعات عبر “الدفع مقابل النفوذ”.
غير أن السياسة، كما تثبت الوقائع، لا تكافئ دائمًا من يرفض التصعيد.
بل قد تعاقبه بالإقصاء المؤقت، وهنا يبرز السؤال الأخطر: هل أصبح القرار الإقليمي رهينة لمن يمول الصراع؟ وهل يمكن أن تتحول طاولات التفاوض إلى امتداد لغرف الصفقات؟
ما جرى في مفاوضات الولايات المتحدة وإيران يكشف بوضوح أن المنطقة تدخل مرحلة جديدة:
مرحلة لا يُقاس فيها النفوذ فقط بما تملكه الدول من تاريخ أو ثقل،وبل بما تدفعه وما تتحمله.. وما تقرر أن تخوضه من معارك.
في هذه المرحلة، اختارت مصر أن تدفع ثمنًا مختلفًا: ثمن الابتعاد عن حرب، قد تشتعل.. لكن لن تنتهي بسهولة، أما دول الخليج، فقد دفعت ثمن الدخول في المواجهة، على أمل إعادة تشكيل ميزان القوى.
وبين هذا وذاك، يُعاد رسم الشرق الأوسط،وليس فقط على طاولة التفاوض، بل في الفجوة المتسعة بين من اختاروا الحرب.. ومن اختاروا تجنبها.




