مقالات الرأي

د/ حسام راضي أحمد عبد الباقي يكتب جريمة الفقراء وغفلة الدولة: كيف يدمر التهرب الضريبي عدالة السياسة الاقتصادية؟

لطالما شكل التهرب الضريبي ذلك الشبح الذي يطارد سياسات الإصلاح الاقتصادي في العالم العربي، متخفياً وراء ثقافة مجتمعية تنظر للدولة كغازٍ لا شريك، وفشل إداري مزمن جعل من التحايل مهارة تُتقنها شرائح واسعة. تحليل هذه الظاهرة لا يستقيم بوصفها مجرد جريمة قانونية، بل هو تفكيك لخلل بنيوي يعكس انهيار العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن.

 

الجذر الفقهي والاجتماعي العميق للمشكلة يكمن في غياب “المشروعية الإجرائية” للضريبة في الوعي الجمعي. في صدر الإسلام، كانت الزكاة فريضة تعبدية طوعية، وعندما تحولت إلى ضريبة تُجبى بالإكراه من دولة يرى مواطنوها أنفسهم مهمشين، تولد شرخ نفسي عميق. هذا الإحساس بأن المتحصل الضريبي لا يعود كخدمات متكافئة جعل الممول ينظر للمشرع كطرف متعسف، فيتحول التهرب في عقله الباطن من جريمة إلى “مقاومة مشروعة” لاسترداد حق سُلب. وعندما تقفز معدلات التضخم وتتآكل الدخول، يصبح التهرب استراتيجية دفاعية للبقاء لا مجرد طمع في الربح.

 

وعلى المستوى الهيكلي، لا ينفصل التهرب عن التعقيد القاتل للمنظومة الضريبية العربية. تضخم القوانين وتعديلاتها يخلق بيئة طاردة، فيتحول الامتثال ذاته إلى تكلفة باهظة على المشروعات الصغيرة والمتوسطة، دافعاً إياها نحو الاقتصاد غير الرسمي. هذا القطاع، الذي يمثل في مصر ما يزيد عن 40% من الناتج المحلي، هو الملاذ الآمن للمتهربين، مما يُضيق القاعدة الضريبية ويُثقل كاهل الملتزمين وحدهم، فتُفقد السياسة المالية معنى العدالة الأفقية بين الممولين.

 

أما الأثر التدميري على السياسة الاقتصادية فيتجاوز نقص الإيرادات إلى تشويه بنية الاقتصاد الكلي. فالتهرب يُفقد الموازنة أداة الاستقرار، فتضطر الحكومات لتمويل عجزها بالاستدانة أو التوسع في الضرائب غير المباشرة على الاستهلاك، مما يُعمق انحدار الطبقات الدنيا والمتوسطة ويرفع التضخم. هكذا يتحول الفقراء إلى من يدفع فاتورة الأزمة في حلقة عبثية لا تنتهي.

 

والانعكاس الأخطر هو على “العدالة الضريبية”. مبدأ “مقدرة الممول على الدفع” يتحطم عندما ينجح كبار الممولين في التهرب المنظم، ففارق القوة والمنعة لا مقدار الذنب هو ما يحدد العقاب. تهرب صاحب المشروع الصغير جريمة فقر، أما تهرب الشركات الكبرى عبر التلاعب بالفواتير فهو جريمة نُخب منظمة تقتل المنافسة العادلة وتُعيد إنتاج الطبقية الاقتصادية. استمرار سياسة العفو الضريبي المتكرر ليس حلاً، بل مكافأة للمتملصين وإهانة للملتزمين، مما يدفع الأخيرين لسؤال وجودي: لماذا ندفع إذا كان التهرب سيُغتفر في النهاية؟

 

هنا يبرز التباين الجوهري مع نماذج خليجية بدأت تتبنى مساراً مختلفاً. في السعودية، تحولت هيئة الزكاة والضريبة والجمارك إلى كيان مؤسسي صارم لا يتسامح مع التهرب، فمخالفات التستر التجاري يُعاقب عليها بالسجن والتشهير، مما يعكس إرادة دولة في حماية العدالة الضريبية كأولوية سيادية. أما الإمارات، فرغم كونها وجهة جاذبة للاستثمار، إلا أنها لم تتردد في فرض غرامات مالية فورية على المؤسسات المالية المخالفة لإجراءات الإبلاغ الضريبي، مؤكدةً أن الانفتاح الاقتصادي لا يعني التساهل مع التهرب .

 

في العمق، لا تنفصل مكافحة التهرب عن مشروع سياسي وأخلاقي أشمل. الحل لا يكون بملاحقة صغار التجار، بل بتجفيف منابع الفساد الإداري في مصلحة الضرائب ذاتها، وبناء “عقد اجتماعي ضريبي” جديد عبر إصلاحات تشريعية تتجه للتبسيط والشفافية، وثورة رقمية حقيقية تُحكم الربط بين أرقام المعاملات والإقرارات المقدمة.

 

ختاماً، التهرب الضريبي في العالم العربي مرآة صادقة لانكسار الثقة بين الحاكم والمحكوم. إصلاحه لا يكون بقوانين أشد قسوة، ففي ذلك ظلم للضعيف واستفزاز للقوي، بل بإعادة بناء شرعية الدولة الضريبية عبر إثبات جدارتها في إدارة المال العام. المواطن لن يدفع الضريبة عن طيب خلق ما لم يلمس ثمارها في شارع نظيف ومستشفى يليق بآدميته. إنها معركة سياسية وأخلاقية لاستعادة مفهوم الدولة العادلة، لا مجرد إصلاح تقني لنظام مالي مُفلس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى