كلمتا رئيس الوزراء ووزير الخارجية بمناسبة الاحتفال بمرور 200 عام على تأسيس وزارة الخارجية المصرية

كتبت: أسماء أحمد
نص كلمتي السيد الدكتور/ مصطفي مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، والسيد الدكتور/ بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، أثناء الاحتفالية التي نظمتها وزارة الخارجية يوم الخميس ٢٥ يونيو بمناسبة مرور مائتي عام علي تأسيسها
معالي السيد الدكتور/ بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج،
أصحاب المعالي السادة الوزراء،
أصحاب السعادة السفراء وممثلي المنظمات الإقليمية والدولية،
السيدات والسادة.. الحضور الكرام،
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،
يسعدني أن أشارككم اليوم هذه المناسبة الوطنية الجليلة، ونحن نحتفي بمرور مائتي عام على إنشاء وزارة الخارجية المصرية، ذلك الصرح العريق الذي وُلد من رحم الدولة المصرية الحديثة، يوم أن صدر القرار التاريخي بإنشاء ديوان التجارة والأمور الأفرنكية، ليكون إحدى لبنات بنيان الدولة الحديثة التي أرادها شعبها العظيم دولةً ذات سيادة، لها إرادتها المستقلة، وصوتها المسموع، وحضورها الفاعل بين الأمم.
لقد شهدت وزارة الخارجية منذ نشأتها تحولات تاريخية، وواكبت منعطفات فارقة، وعبرت بمصر عصورًا مختلفة؛ من زمن التأسيس وبناء الدولة الحديثة، إلى مرحلة ترسيخ الشخصية الدولية لمصر، ثم سنوات النضال الوطني لنيل الاستقلال، مرورًا بعقود التحرر الوطني، واستعادة…
الأرض والكرامة، وانتهاء بما نشهده اليوم من تحولات إقليمية ودولية متسارعة، تتشابك فيها الأزمات بشكل غير مسبوق، وتتداخل فيها التحديات، وتتعاظم فيها مسئولية الدول ذات التاريخ والحكمة والثقل الحضاري.
لقد كانت الدبلوماسية المصرية، على مدار القرنين الماضيين، انعكاساً للدولة المصرية بكل ما حملته من قيم الحكمة، والاتزان والاعتدال والقدرة على الجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في المقاربة، وامتداداً للنهج الدبلوماسي الذي أرساه قدماء المصريين، الذين هم أصحاب معاهدة “قادش”، التي تمثل أول معاهدة سلام عرفها التاريخ. فلم تخضع مصر الإملاءات القوة، ولم تُفرط في ثوابتها الوطنية والقومية، وإنما ظلت وفية لعقيدة راسخة قوامها احترام القانون الدولي، وصون سيادة الدول، وعدم التدخل في شئونها الداخلية، وتسوية المنازعات بالسبل السلمية، وإعلاء قيم الحوار والتفاهم.
وإذا كانت الدبلوماسية المصرية قد استطاعت على امتداد قرنين أن ترسخ لنفسها مكانة رفيعة بين الأمم، فإنها شهدت في السنوات الأخيرة زخماً استثنائياً بفضل الرؤية الثاقبة لفخامة السيد الرئيس / عبد الفتاحالسيسي، رئيس الجمهورية، والذي مثل منذ توليه مسئولية قيادة الوطن
نموذجاً لدبلوماسية القمة، حيث أعاد فخامته للدبلوماسية المصرية حضورها المؤثر على أعلى المستويات من خلال حركة نشطة لا تعرف الكلل شملت مختلف دوائر الانتماء المصري؛ العربية والأفريقية والمتوسطية والإسلامية والدولية.
السيدات والسادة
لقد أثبتت التجارب المتعاقبة أن الدولة التي تمتلك جيشاً قوياً وإمكانات اقتصادية لا يمكن إغفالها، تحتاج كذلك إلى دبلوماسية نشطة فعالة عميقة الرؤية، بعيدة النظر، قادرة على تحويل عناصر القوة الوطنية إلى نفوذ سياسي وتأثير دولي، وعلى بناء الشراكات، واحتواء الأزمات، وصناعة الفرص، والدفاع عن المصالح العليا للوطن في عالم تتنامى فيه المنافسة الدولية، وتتسارع فيه المتغيرات بشكل غير مسبوق.
ومن هنا، فإن جمعنا اليوم هو احتفاء بإحدى ركائز الدولة المصرية وبمدرسة وطنية عريقة خرجت أجيالاً من الدبلوماسيين الذين حملوا اسم مصر إلى مختلف المحافل، فكانوا خير سفراء لوطنهم، وأمناء على رسالته ومدافعين عن مصالحه، وحراساً لصورته ومكانته.
السيدات والسادة
نعيش اليوم مرحلة تتسم بقدر غير مسبوق من السيولة، حيث تتغير بنية النظام الدولي، وتتعدد مراكز التأثير، وتتبدد حالة اليقين والثبات التي سادت العلاقات الدولية لعقود طويلة. وفي خضم هذه التحولات، تتأكد الحاجة إلى دبلوماسية تتحدث لغة العصر وتمتلك أدوات فعالة، دون أن تتخلى عن ثوابت الدولة، وتستوعب لغة التكنولوجيا والاقتصاد والذكاء الاصطناعي والطاقة والمناخ، وتضع نصب أعينها في ذات الوقت أن جوهر السياسة الخارجية سيظل دائماً هو الوطن والمصلحة الوطنية.
ومن هذا المنطلق، تواصل الدولة المصرية، بقيادة فخامة السيد الرئيس / عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، تطوير أدوات عملها، بما في ذلك العمل الدبلوماسي، وتعزيز حضورها الدولي، وتوسيع دوائر شراكاتها، وترسيخ مكانتها كقوة إقليمية مسئولة، وفاعل دولي موثوق يسعى إلى إخماد الحرائق لا إشعالها، وإلى بناء الجسور لا هدمها، وإلى ترسيخ سلام عادل لا فرض الأمر الواقع.
كما أصبحت الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية اليوم امتداداً طبيعياً للدبلوماسية السياسية المصرية، وأضحى جذب الاستثمار، وتعزيز
التجارة، والانفتاح على الأسواق، ودعم التنمية المستدامة والتعاون الدولي، جزءاً أصيلاً من رسالة وزارة الخارجية المصرية، جنباً إلى جنب مع خدمة المصريين بالخارج، ورعاية مصالحهم، وتعميق أواصرهم بوطنهم باعتبارهم امتداداً حياً لقوة مصر الناعمة، وشركاء أصيلين في مسيرتها التنموية.
السيدات والسادة
وختاماً، فإنني – وبهذه المناسبة التاريخية – أتوجه بالتحية والتقدير إلى جميع أبناء وزارة الخارجية الحاليين والسابقين، وإلى أرواح شهدائها العظماء، وأرواح من رحلوا بعد أن أفنوا أعمارهم في خدمة وطنهم، وإلى كل من حمل اسم مصر في الخارج، وصان كرامتها، ودافع عن مصالحها، وأسهم في ترسيخ مكانتها بين الأمم.
كما أجدد العهد بأن تظل الحكومة المصرية داعمة لهذه المؤسسة الوطنية العريقة، مؤمنة برسالتها، حريصةً على تطويرها، وتمكين كوادرها، وتعزيز قدراتها، حتى تظل، كما كانت على مدى قرنين، عنواناً لهيبة الدولة المصرية، وجسراً يربطها بالعالم.
وأقدر أن الوزارة، وهي تحتفي بمرور 200 عام، تدخل قرنها الثالث بذات الإخلاص والطموح، مستندة إلى تاريخ مجيد وواثقة من حاضرها، ومؤمنة بأن مستقبلها سيكون بإذن الله، امتداداً طبيعياً لمسيرة وطن لم يغب عن مسرح التاريخ، وستظل مصر دائماً بإذن الله، كما كانت عبر العصور، دولة سلام واعتدال وتوازن، تعمل من أجل مستقبل أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً لشعبها العظيم وللمنطقة والعالم بأسره.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كلمة معالي الوزير د. بدر عبد العاطي
وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج بمناسبة الاحتفال بمئتي عام على تأسيس وزارة الخارجية السيد الدكتور مصطفى مدبولي دولة رئيس مجلس الوزراء
السادة الوزراء
أصحاب المعالي والسعادة
السيدات والسادة
يسعدني أن أقف بينكم اليوم، في المقر الرابع والأخير لوزارة الخارجية المصرية بالعاصمة الجديدة، للاحتفال بمناسبة استثنائية في دلالتها عميقة في رمزيتها؛ وهي مرور مائتي عام على تأسيس وزارة الخارجية، تلك المؤسسة العريقة التي جسدت عبر قرنين من الزمان، أحد أبرز تعبيرات الدولة المصرية عن وعيها بذاتها، وإدراكها لمكانتها، وحسن إدارتها لعلاقاتها في محيطها الإقليمي والدولي.
منتا عام استطاعت وزارة الخارجية خلالها أن تحافظ على سياسة خارجية تقوم على مبادئ وأسس تمثل جوهر وروح الدولة المصرية، مبادئ وأسس تتميز بالشرف والأمانة والنزاهة مرتكزة على رصيد متراكم من الخبرات العملية في مختلف مجالات العمل الدبلوماسي فضلاً عن الخبرات المعاصرة بالدبلوماسية التنموية والاقتصادية والبيئية، بما في ذلك مجالات الذكاء الاصطناعي والرقمنة وغيرها من الموضوعات التي استجدت على الساحة الدولية.
إن احتفالنا اليوم لا يستحضر تاريخ صرح من أعرق صروح الدولة الوطنية الحديثة فحسب، بل يستحضر كذلك مسيرة الدبلوماسية المصرية بوصفها ركيزة أساسية من ركائز الأمن القومي، وأداة رئيسية في حماية
مصالح الدولة وتعزيز مكانتها. فمصر لم تنظر يوماً إلى سياستها الخارجية إلا باعتبارها امتداداً مباشراً لقدرتها على الاستقرار والتأثير، وتعبيراً عن رسالتها الحضارية؛ وهي رسالة تضرب بجذورها في أعماق التاريخ، منذ أن أرست الدولة المصرية القديمة مبادئ التفاوض وصناعة السلام، وتجسد ذلك في معاهدة قادش التي تعد من أقدم معاهدات السلام الموثقة في التاريخ وصولا إلى الدور المصري المعاصر في ترسيخ الاستقرار الإقليمي والدفاع عن المصالح الوطنية.
فمنذ نشأة الدولة الحديثة في مصر، ارتبط بناء الداخل ارتباطا وثيقا بتعزيز الحضور الفاعل في الخارج. فقد جاءت البدايات الأولى للعمل الدبلوماسي المؤسسي في عهد محمد علي، مؤسس مصر الحديثة، في إدراك مبكر بأن الدولة القوية لا تكتمل أدواتها من دون دبلوماسية قادرة على إدارة علاقاتها، وحماية مصالحها، وتأمين موقعها في نظام دولي مركب، لم يزده الزمن، إلا تعقيدا وتشابكا.
وقد تطورت هذه المسيرة من ديوان التجارة والأمور الإفرنكية، الذي مثل البدايات الأولى لتنظيم الاتصال بالعالم الخارجي، مرورًا بنظارة الخارجية في مرحلة مجلس النظار، وصولا إلى وزارة الخارجية في صورتها الحديثة التي ظهرت عقب تصريح ۲۸ فبراير ۱۹۲۲ ، في لحظة كانت فيها مصر تسعى إلى تثبيت سيادتها واستقلال قرارها بعد انتهاء الحماية البريطانية على مصر، وتعلن عن انطلاق معركة الاستقلال الوطني وإنهاء الاحتلال. ومنذ ذلك الحين، أصبحت الدبلوماسية المصرية خط الدفاع الأول عن الأمن القومي المصري ؛ تدافع عن مصالحها، وتشرح مواقفها، وتدير تفاعلاتها مع العالم برؤية ثاقبة وميزان دقيق.
وعبر هذه المسيرة الطويلة، تشكلت مدرسة دبلوماسية مصرية عريقة، لها تقاليدها الراسخة وسماتها المميزة؛ مدرسة تقوم على الرصانة والاتزان ودقة التقدير، وتدرك أن حماية الأمن القومي لا تتحقق بالقوة
الصلبة وحدها، بل كذلك بحسن إدارة العلاقات، وبناء التوازنات، ومنع الأزمات قبل تفاقمها.
لقد أدركت هذه المدرسة الدبلوماسية العريقة، في ظل القيادة الحكيمة والرؤية الثاقبة لفخامة السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي، أن الاتزان ليس ترددا، وأن الحوار لا يعني التفريط، وأن الانفتاح على العالم لا يتعارض مع التمسك الراسخ بالمصلحة الوطنية. ومن خلال توجيهات فخامته وقيادته النشطة للدبلوماسية الرئاسية، وما جسدته زيارات سيادته الخارجية من حضور فاعل ومؤثر، تمكنت الدبلوماسية المصرية من ترسيخ مكانة رفيعة لمصر بين الأمم، وشهدت زخما استثنائيا على مختلف المستويات. وقد تجلى هذا النجاح في قدرتها على الجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في الأدوات، وبين وضوح الرؤية واتساع دوائر الحركة، بما عزز من دور مصر الإقليمي والدولي ورسخ مكانتها كشريك موثوق وصوت يحظى بالاحترام والتقدير.
ولم تكن الدبلوماسية المصرية، في هذا الإطار، معنية برد الفعل فقط بل أسهمت في تشكيل بيئات إقليمية أكثر توازنا ، وسعت إلى احتواء الأزمات ومنع الانزلاق إلى صراعات مفتوحة، انطلاقا من فهم عميق لارتباط استقرار الإقليم بالأمن القومي المصري، ودور راسخ كصانع للسلام وركيزة للاستقرار.
هذه المدرسة الدبلوماسية تعرف متى تتحرك، ومتى تنتظر، ومتى تبني الجسور، ومتى ترسم الخطوط التي لا يجوز تجاوزها؛ ولذلك ظل أداء الدبلوماسية المصرية، في كثير من المحطات تعبيرا عن دولة تدير مصالحها بعقلانية في ظل قيادة سياسية حكيمة، وتتحرك بثقة، وتوازن بين المبادئ والمصالح.
ولا يمكن الحديث عن هذه المسيرة من دون الإشارة إلى أجيال من رجال ونساء الدبلوماسية المصرية الذين حملوا اسم مصر في مختلف أنحاء العالم، وأسهموا في تأسيس منظمات إقليمية ودولية، وواجهوا أصعب التحديات على مر العقود، وأداروا مسارات تفاوضية معقدة؛ من معارك الاستقلال الوطني وإزالة آثار العدوان واستكمال تحرير الأرض بالمعارك الدبلوماسية والقانونية. وقد تجلى هذا الدور بوضوح قبل وأثناء وفي أعقاب حرب أكتوبر ۱۹۷۳ ، حين نجحت الدبلوماسية المصرية في البناء على ما حققته القوات المسلحة في الميدان، فخاضت معارك سياسية وتفاوضية دقيقة أسهمت في تثبيت نتائج الحرب واستعادة الأراضي المحتلة وتهيئة الطريق نحو استعادة كامل التراب الوطني. ولعل استعادة طابا، تمثل أحد أبرز النماذج على قدرة الدبلوماسية المصرية على توظيف أدوات القانون والتفاوض دفاعاً عن الحقوق الوطنية.
وعلى مر العصور، كان لوزارة الخارجية شهداء من أبنائها المخلصين قدموا الغالي والنفيس، وبذلوا أرواحهم في سبيل أداء واجبهم الوطني وخدمة مصالح مصر وصون مكانتها في الخارج. وقد امتد سجل هذه التضحيات عبر عقود وفي ساحات مختلفة للعمل الدبلوماسي، من الصومال إلى باكستان والعراق وكينيا والسودان، حيث ظل أبناء الوزارة في مواقعهم رغم المخاطر والتحديات، يؤدون رسالتهم بكل شرف وتجرد. وقد أسهمت تضحيات هؤلاء الشهداء في ترسيخ تقاليد مؤسسية راسخة، وبناء علاقات متوازنة، وصون مصالح الدولة المصرية انطلاقاً من المصالح الوطنية التي تعلو ولا يعلى عليها.
ومن هنا، أتقدم بخالص الشكر والامتنان لفخامة الرئيس عبد الفتاحالسيسي على لفتته الكريمة وقرار سيادته بضم شهداء وزارة الخارجية إلى المستفيدين من صندوق تكريم شهداء وضحايا ومفقودي العمليات الحربية والإرهابية، وهو ما يعكس التقدير العميق من فخامته لتضحيات أبناء الوطن
المخلصين الذين بذلوا أرواحهم وجهودهم في سبيل الواجب، وصون المصالح الوطنية داخل البلاد وخارجها.
كما أعرب عن بالغ التقدير وصادق العرفان لفخامة الرئيس على توجيه سيادته التهنئة إلى وزارة الخارجية اليوم، بمناسبة مرور مائتي عام على تأسيسها، وهي مبادرة كريمة تجسد اهتمام فخامته بالمؤسسات الوطنية وتقدير سيادته لدورها التاريخي في خدمة الوطن وصون مصالحه. وقد مثلت هذه التهنئة مصدر اعتزاز لجميع أعضاء الوزارة، ورسالة دعم وتقدير للدبلوماسية المصرية وإسهاماتها المتواصلة في تعزيز مكانة مصر إقليمياً ودولياً على مدار قرنين من الزمان.
السيدات والسادة
لقد شهدت السياسة الخارجية المصرية، خلال السنوات العشر الأخيرة تحت القيادة الحكيمة لفخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نهضة نوعية فارقة أعادت وعظمت من مكانة مصر المستحقة وثقلها المؤثر على الساحتين الإقليمية والدولية، في تجسيد واضح لإرادة وطنية واعية وطموح مشروع نحو استعادة الدور وصياغة الحضور. وقد اتسم هذا الزخم بوضوح الرؤية، واتساع نطاق الحركة، وتعاظم التأثير، في إطار رؤية وطنية شاملة تستهدف تثبيت أركان الدولة، وتعظيم عناصر قوتها الشاملة وصون أمنها القومي.
وقد أولى فخامته اهتمامًا استثنائيا بالعمل الدبلوماسي، تجلى في العودة القوية والفاعلة لدبلوماسية القمة، التي شهدت زخمًا غير مسبوق من الزيارات والجولات الرئاسية بما أعاد تموضع مصر في قلب التفاعلات الدولية، خاصة مع التوسع الذي قاده فخامته في رفع مستوى العلاقات الخارجية مع أبرز شركاء مصر الدوليين إلى مستوى الشراكة الاستراتيجية الكاملة الشاملة. ولم تكن هذه التحركات مجرد نشاط دبلوماسي مكثف وغير
مسبوق على مستوى القمة، بل كانت تعبيرًا عن نهج قيادي مباشر، لإعادة بناء الدولة المصرية الحديثة، وتعزيز دورها الإقليمي والدولي، واستعادة حضورها المؤثر في القارة الأفريقية، وترسيخ مكانتها كدولة مؤسسة في النظام الدولي، وركيزة للاستقرار في محيطها الإقليمي.
وإذا كانت دبلوماسية القمة تمثل الواجهة التنفيذية النشطة لهذا التحول، فإن مبدأ الاتزان الاستراتيجي” يشكل الأساس الفكري الحاكم له؛ وهو نهج متوازن يجمع بين الثبات على المبادئ والمرونة في إدارة المصالح، ويؤكد احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية ودعم السلم والاستقرار، والالتزام بقواعد القانون الدولي، وتنويع الشراكات الخارجية، مع الدفاع الحازم عن الأمن القومي والمصالح العليا للدولة.
وفي هذا الإطار، اتسع جدول أعمال الدبلوماسية المصرية ليشمل، إلى جانب الملفات السياسية، مجالات حيوية متقدمة، وفي مقدمتها الدبلوماسية الاقتصادية والتنموية، وجذب الاستثمارات، وتعزيز التجارة، والانفتاح على الأسواق، وقضايا الطاقة والمياه والمناخ، فضلا عن تنشيط العمل متعدد الأطراف وتوظيف العلاقات الدولية والشراكات التنموية لخدمة أهداف التنمية الوطنية. وقد جاء ضم حقيبة التعاون الدولي إلى وزارة الخارجية تجسيدا لهذا التطور، وترسيخا للتكامل بين السياسة الخارجية والأولويات التنموية للدولة، بما يعزز قدرة مصر على تعظيم الاستفادة من شراكاتها الدولية ودعم جهودها لتحقيق التنمية المستدامة.
كما واصلت وزارة الخارجية الاضطلاع بدورها الأصيل في رعاية المصريين بالخارج وحماية مصالحهم والدفاع عن حقوقهم، وتقديم الخدمات القنصلية لهم، وتعزيز ارتباطهم بوطنهم، بما يعكس حرص الدولة على أن يظل كل مصري في الخارج جزءا أصيلا من مسيرة الوطن وشريكا في رفعته وتقدمه.
السيدات والسادة
إن احتفالنا اليوم بمائتي عام على وزارة الخارجية المصرية، هو احتفاء بمؤسسة راسخة، وبمدرسة دبلوماسية عريقة، أثبتت عبر الزمن أنها أحد أعمدة الدولة المصرية، ودرع من دروع أمنها القومي، وأداة فاعلة في تعزيز حضورها وتأثيرها، وخدمة مواطنيها والدفاع عن مصالحهم.
ولا يستقيم الحديث عن وزارة الخارجية دون الإشادة بدبلوماسييها وإدارييها وأطقمها المعاونة الذين حملوا راية مصر بإخلاص وصانوا مصالحها في مختلف الظروف. ومع دخولها قرنها الثالث، تواصل الوزارة أداء رسالتها مستندة إلى إرث خبرة عريق وتقاليد مهنية راسخة.
وفي هذا الإطار، أتوجه بالتحية والتقدير إلى جميع أبناء وزارة الخارجية، الحاليين والسابقين، وإلى أرواح من رحلوا بعد أن أفنوا أعمارهم في خدمة الوطن، وتركوا بصمات خالدة في مسيرة الدبلوماسية المصرية. ويسعدني أن يكون بيننا اليوم قامات كبيرة من أبناء هذه المؤسسة العريقة ممن أسهموا على مدار أكثر من ستة عقود في خدمة مصالح الدولة المصرية والدفاع عن مكانتها، وأتقدم إليهم جميعاً بكل التحية والاعتزاز والفخر.
وفي الختام، أجدد خالص الشكر والتقدير إلى دولة رئيس مجلس الوزراء علي حرص سيادته علي تشريف الاحتفال بالحضور، كما أتوجه بالشكر لكبار المسئولين من السادة الوزراء الحاضرين على دعمهم الدائم وتعاونهم المثمر في خدمة الوطن وتعزيز مسيرة التنمية. كما نثمن حضور السادة أعضاء مجلس النواب وما يعكسه من حرص على أداء دورهم الوطني في التشريع والرقابة بما يخدم مصالح المواطنين.
كما نعرب عن تقديرنا للسيد رئيس المحكمة الدستورية العليا، الذي نشرف أيضاً بحضوره الكريم، والقضاء الموقر على ما يبذلونه من جهود
راسخة في إعلاء سيادة القانون وترسيخ العدالة وصون الحقوق، بما يعكس أهمية هذه المناسبة ويؤكد عمق التقدير المتبادل بين مؤسسات الدولة.
وإذ تعرب عن هذا التقدير لكل مؤسسات الدولة الشريكة في البناء والعمل الوطني، فإننا نؤكد أن الدبلوماسية المصرية ستظل، كما كانت دائما صوت مصر في العالم، ودرعا لمصالحها، وخادمة لمواطنيها، وجسرًا للتواصل مع الشعوب، وحاملة لتقاليد دولة عريقة تعرف قدر تاريخها وتثق في قدرتها على صناعة مستقبلها.
حفظ الله مصر
وحفظ دبلوماسيتها
وأدام عليها أمنها واستقرارها ومكانتها.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.





