لماذا أصبح الهوائي (Antenna) بمثابة “مستوى التحكم” الحقيقي في شبكات الـ 5G المستقلة (Standalone)

بقلم: كيفن ميرفي
نائب الرئيس ورئيس وحدة العملاء لشمال الشرق الأوسط في إريكسون (أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا)
في شبكات الجيل الخامس المستقلة (5G SA)، يحكم أداء نظام الهوائي — كفاءة الشعاع، استقرار النمط، وسلوك التداخل البيني الخامل (PIM) — بشكل مباشر مؤشرات الأداء الرئيسية (KPIs) الخاصة باتفاقية مستوى الخدمة (SLA). ويتم ذلك عبر تحديد نسبة الإشارة إلى التداخل والضجيج (SINR) في الواقع الفعلي، وموثوقية الوصلة الصاعدة (Uplink)، وأداء تقسيم الشبكة (Slicing) بما يتجاوز ما يمكن أن تضمنه تكوينات البرمجيات وحدها.
تعمل تصميمات الهوائيات المتقدمة على تعظيم كفاءة الطيف وفعالية تجميع الحوامل (Carrier Aggregation)، مما يحسن محاذاة التغطية عبر النطاقات المختلفة، ويسمح بتحقيق إنتاجية محددة وزمن وصول منخفض لا يمكن لتحسينات طبقة البرمجيات وحدها تقديمها.
ركز جزء كبير من الحوار حول شبكات الجيل الخامس المستقلة (5G SA) على البرمجيات؛ حيث حظيت النوى السحابية الأصلية (Cloud-native cores)، وتقسيم الشبكة، والأتمتة، والتنظيم باهتمام واسع لأنها تغير جذرياً كيفية تصميم وتشغيل الشبكات – وهذا أمر مستحق. ولكن هناك عنصر يختبئ في وضح النهار ويستحق المزيد من التركيز؛ ففي شبكات 5G SA، أصبح الهوائي محوراً مركزياً في كيفية تقديم الأداء، حيث يقوم بترجمة “نية الشبكة” (Network Intent) إلى نتائج ملموسة عند الطبقة الفيزيائية.
في الأجيال السابقة، كانت الشبكات تعتمد إلى حد كبير على أنظمة “بذل أقصى جهد” (Best-effort). فإذا تذبذب الأداء، تكيّف المستخدمون. أما في الجيل الخامس المستقل، فلم يعد هذا النموذج قائماً. يُتوقع من المشغلين الآن تقديم إنتاجية يمكن التنبؤ بها، وزمن وصول محدود، وأداء موثوق للوصلة الصاعدة، وغالباً ما يكون ذلك بموجب اتفاقيات مستوى خدمة (SLAs) رسمية. قد يتم تكوين هذه الضمانات برمجياً، ولكن يتم تسليمها عبر وصلات راديوية لا تزال تخضع لقوانين الفيزياء. الهوائي هو المكان الذي تلتقي فيه النية بالواقع.
أداء الهوائي يحدد اتفاقيات مستوى الخدمة (SLAs)
بالنسبة للمشغلين، يغير هذا كيفية هندسة الأداء وضمانه. إن تقسيم الشبكة، وملفات تعريف جودة الخدمة، وتجميع الحوامل المتقدم، كلها تفترض أن طبقة الراديو يمكنها تقديم ظروف إشارة مستقرة. ومن الناحية العملية، يعود ذلك إلى أداء الهوائي – مدى كفاءة تشكيل الأشعة، ومدى اتساق إشعاع الإشارات، ومدى ثبات الأنماط عبر نطاقات التردد. هذه ليست تفاصيل هندسية مجردة، بل تؤثر بشكل مباشر على جودة الإشارة، والتخصيص المؤتمت، وما إذا كان “قسم الشبكة” (Slice) يقدم التجربة التي صُمم من أجلها.
تظهر بياناتنا [1]، على سبيل المثال، أن تحسناً بنسبة 11% في كفاءة الشعاع يمكن أن يوفر إنتاجية أعلى بنسبة تقارب 18% للوصلة الهابطة (Downlink) و21% للوصلة الصاعدة لمستخدمي الخلايا في البيئات الحضرية الكثيفة، مما يؤكد كيف تترجم جودة الهوائي مباشرة إلى تنفيذ اتفاقية مستوى الخدمة.
الكفاءة واقتصاديات الطيف الترددي
ما يتم تجاهله غالباً هو مدى تأثير ذلك على اقتصاديات الطيف الترددي. يعد الطيف أحد أغلى الأصول التي يمتلكها المشغلون وأكثرها محدودية. ومع ذلك، يمكن لشبكتين تمتلكان نفس الطيف وأجهزة الراديو أن تحققا نتائج مختلفة. يكمن التمييز في مدى فعالية الهوائيات في تحويل الطيف إلى سعة صالحة للاستخدام ضمن اتفاقية مستوى الخدمة.
إن كفاءة الشعاع العالية، واستقرار التداخل البيني الخامل (PIM) المنخفض، والأنماط المحسنة، تعني تداخلاً أقل، وطاقة أكثر استهدافاً، وإنتاجية أعلى في المتوسط وعند أطراف الخلية. وقد تم التحقق من هذا التأثير في الشبكات الحية؛ ففي تجربة ميدانية حديثة أجريناها، تمت ترقية موقع “ماكرو” بهوائيات من الجيل الجديد على أساس “المثل بالمثل”، وسجل اختبار القيادة (Drive Testing) تحسناً بمقدار 6 ديسيبل في التغطية، إلى جانب زيادة بنسبة 13% في حركة بيانات الوصلة الهابطة وارتفاع بنسبة 55% في حركة الصوت مدفوعة بتحسن الاختراق داخل المباني.
بالنسبة للمشغلين، يعني هذا شبكات أكثر استقراراً وأعلى أداءً وكفاءة في استهلاك الطاقة. من خلال تقليل التداخل وتحسين جودة الإشارة، يتيح تصميم الهوائي المتقدم للشبكات تقديم إنتاجية موثوقة وموثوقية في الوصلة الصاعدة بقدر أقل من الطاقة والموارد. وهذا يسهل استدامة الخدمات المضمونة، وتحسين تجربة المستخدم، وتشغيل الشبكة بكفاءة أكبر على نطاق واسع.
مرونة الوصلة الصاعدة وتجميع الحوامل (Carrier Aggregation)
تجعل الوصلة الصاعدة (Uplink) هذا الأمر أكثر أهمية. فبينما يحظى أداء الوصلة الهابطة بمعظم الاهتمام، تعتمد العديد من حالات استخدام 5G الأكثر قيمة على استقرار الوصلة الصاعدة – من تطبيقات الشركات والوصول اللاسلكي الثابت (FWA) إلى الاتصال الصناعي والخدمات الحرجة للمهمات. ولأن الأجهزة تعمل تحت حدود طاقة ضيقة، فإن الوصلة الصاعدة تكون بطبيعتها أكثر عرضة للتداخل وفقدان الإشارة. في هذه البيئة، يلعب أداء الهوائي دوراً حاسماً في الحفاظ على اتصال موثوق.
تغير شبكات 5G SA أيضاً كيفية دمج نطاقات الطيف المختلفة؛ حيث توفر الترددات المنخفضة التغطية واستقرار الوصلة الصاعدة، بينما يضيف طيف النطاق المتوسط السعة. ولكي ينجح ذلك عملياً، يجب أن تتطابق التغطية عبر النطاقات. عندما تختلف أنماط الهوائي بين الترددات، يمكن لعدد أقل من المستخدمين الاستفادة من تجميع الحوامل، مما يحد من المكاسب الواقعية. في الواقع، يتم تشكيل قيمة التجميع بواسطة تصميم الهوائي بقدر ما يتم تشكيلها بواسطة المعيار التقني نفسه.
أجندة قيادية لرؤساء قطاع التكنولوجيا (CTOs)
يؤدي هذا إلى تحول في كيفية تقييم الهوائيات. لا تزال المقاييس التقليدية مثل “ذروة الكسب” (Peak Gain) أو “عرض الشعاع” مهمة، لكنها لم تعد تروي القصة كاملة. في شبكات 5G SA الكثيفة، ما يهم هو كيفية أداء الهوائي على مستوى النظام – مدى اتساق دعمه لجودة الإشارة، وموثوقية الوصلة الصاعدة، وعدد الخدمات المضمونة التي يمكن للموقع دعمها في نفس الوقت.
إن تلبية هذه المتطلبات على مستوى النظام تتطلب النظر إلى ما وراء المواصفات أحادية البعد وتقييم الهوائيات في سياق سلوك الشبكة الفعلي. ومع تحول شبكات 5G SA من تقديم اتصال “بذل أقصى جهد” إلى أداء حتمي محدد، يجب تقييم خيارات البنية التحتية من خلال هذا المنظور نفسه.
بالنسبة لرؤساء قطاع التكنولوجيا (CTOs)، يعد هذا قراراً قيادياً. إن القيادة التقنية في 5G SA لا تقتصر فقط على تبني أحدث بنية برمجية أو نشر نطاقات طيف جديدة بسرعة، بل تتعلق بمواءمة النية والأداء والاقتصاد عبر “المكدس” (Stack) بالكامل. تقع الهوائيات عند مفترق طرق حرج، حيث تساعد في تعظيم قيمة الطيف، وتقديم تغطية موثوقة، ودعم مستويات الأداء التي يلتزم بها المشغلون في اتفاقيات مستوى الخدمة الخاصة بهم.
بهذا المعنى، أصبح الهوائي جزءاً من مستوى التحكم (Control Plane) في الشبكة. وتمنح الهوائيات المصممة بدقة وعالية الأداء والموفرة للطاقة، مثل هوائيات إريكسون، المشغلين الأساس لاستخراج أقصى قيمة من استثماراتهم في الجيل الخامس المستقل. المشغلون الذين يدركون ذلك مبكراً سيكونون في وضع أفضل لتوسيع الخدمات المتميزة؛ أما أولئك الذين لا يدركون ذلك، فقد يكتشفون أنه لا يوجد قدر من ذكاء البرمجيات يمكنه التعويض بالكامل عن القرارات المتخذة عند الطبقة الفيزيائية.




