السياحة المصرية تحلق إلى آفاق جديدة.. 19 مليون سائح و16.7 مليار دولار

كتبت:إيمان خالد خفاجي
طيران عارض يرتفع 32%.. 19 مليون زائر للمتاحف والمواقع الأثرية.. و30 مليون سائح مستهدف بحلول 2030
لم يكن أحد يتوقع أن تتغير خريطة السياحة المصرية بهذه السرعة، فقبل سنوات قليلة كانت جائحة كورونا تضرب صناعة السياحة العالمية، وتتسبب في توقف حركة الطيران وانخفاض معدلات السفر، بينما بدت الفنادق والمطارات في انتظار عودة الحياة إلى طبيعتها.
لكن المشهد تغير بصورة لافتة، لتنتقل السياحة المصرية من مرحلة مواجهة تداعيات الأزمة إلى مرحلة تحقيق معدلات نمو قياسية، مدفوعة بارتفاع أعداد الوافدين، وزيادة الليالي السياحية، وتنامي الإيرادات، إلى جانب توسع الطاقة الفندقية وحركة الطيران.
واليوم، لم تعد الحكاية مجرد تعافٍ من آثار الجائحة، وإنما أصبحت قصة نمو متسارع لقطاع يمثل أحد أهم روافد الاقتصاد المصري، بعدما ارتفع عدد السائحين إلى نحو 17.4 مليون سائح خلال عام 2024/2025، مقابل 15 مليونًا في العام السابق، بينما قفزت الليالي السياحية إلى 179.3 مليون ليلة، والإيرادات إلى نحو 16.7 مليار دولار.
من التعافي إلى القفزة التاريخية
بدأت مؤشرات تعافي السياحة المصرية في الظهور تدريجيًا منذ عام 2021/2022، قبل أن تتسارع وتيرة النمو خلال السنوات التالية، وصولًا إلى عام 2024/2025، الذي سجل وصول أعداد السائحين إلى نحو 17.4 مليون سائح، مقارنة بنحو 15 مليون سائح في العام السابق، بزيادة تقترب من 16%.
ولم يقتصر النمو على أعداد الوافدين، إذ ارتفع إجمالي عدد الليالي السياحية إلى نحو 179.3 مليون ليلة، مقابل 154.1 مليون ليلة خلال العام السابق، بنمو بلغ 16.4%.
وتكتسب هذه الزيادة أهمية خاصة، لأن ارتفاع عدد الليالي السياحية يعني مزيدًا من الإنفاق داخل الاقتصاد المحلي، بما يدعم قطاعات الفنادق والمطاعم والنقل والرحلات والأسواق والحرف والأنشطة الترفيهية.
أما الإيرادات السياحية، فقد سجلت بدورها قفزة واضحة، لترتفع إلى نحو 16.7 مليار دولار خلال عام 2024/2025، مقابل 14.4 مليار دولار في العام السابق، بنسبة نمو بلغت 15.9%.
وهكذا، تحولت مؤشرات القطاع من مجرد أرقام للتعافي إلى مؤشرات تعكس اتساع حجم النشاط السياحي وقدرته على دعم الاقتصاد وتوفير تدفقات متزايدة من النقد الأجنبي.
19 مليون سائح.. والسقف يرتفع
ولم تتوقف القفزة عند مستويات عام 2024/2025، إذ تشير المؤشرات إلى أن عام 2025 شهد تسجيل أعلى معدلات للسياحة الوافدة، مع وصول أعداد السائحين إلى نحو 19 مليون سائح.
ومع تسجيل هذه المستويات القياسية، لم يعد الهدف هو الحفاظ على معدلات النمو الحالية فقط، وإنما مواصلة التوسع ورفع القدرة التنافسية للمقصد المصري، وصولًا إلى مستهدف جذب 30 مليون سائح بحلول عام 2030.
وتكشف خريطة الأسواق المصدرة للسياحة إلى مصر عن تنوع ملحوظ في مصادر الحركة الوافدة، حيث استحوذت أوروبا الغربية على 36.3% من إجمالي الوافدين خلال عام 2025، تلتها أوروبا الشرقية بنسبة 31.6%، فيما بلغت نسبة الوافدين من الدول العربية 19.4%، مقابل 12.7% للمناطق الأخرى.
كما تعكس قائمة أكبر عشر دول إرسالًا للسائحين اتساع قاعدة الطلب على المقصد المصري، إذ ارتفع إجمالي أعداد السائحين من نحو 11.7 مليون سائح في عام 2022 إلى قرابة 19 مليون سائح في 2025، فيما استحوذت الأسواق العشرة الكبرى على 56.4% من إجمالي الحركة السياحية.
وتصدرت روسيا قائمة الأسواق المصدرة للسياحة إلى مصر بنحو 2.2 مليون سائح، تلتها ألمانيا بنحو 1.87 مليون سائح، فيما برزت بولندا باعتبارها من الأسواق التي سجلت نموًا لافتًا، بينما حافظت السعودية على مكانتها كأبرز سوق عربي بنحو 1.17 مليون سائح.
الطيران يحلق أعلى.. والعلمين تقفز 450%
ولم يقتصر انعكاس الانتعاش السياحي على أعداد الوافدين والليالي الفندقية، وإنما امتد إلى حركة الطيران والمواقع السياحية والأثرية.
وشهدت المتاحف والمواقع الأثرية بمختلف أنحاء الجمهورية ارتفاعًا في أعداد الزائرين، لتصل إلى نحو 19 مليون زائر خلال عام 2025، بزيادة بلغت 21% مقارنة بعام 2024، في مؤشر يعكس تنامي الإقبال على المنتج الثقافي والتاريخي المصري.
وفي قطاع الطيران، ارتفعت رحلات الطيران السياحي العارض بنسبة 32% خلال عام 2025، في الوقت الذي سجلت فيه مدينة العلمين الجديدة قفزة استثنائية بلغت 450% في حركة الطيران العارض.
وتبرز هذه الأرقام تنامي حضور المقاصد السياحية المصرية الجديدة، إلى جانب المقاصد التقليدية، على خريطة السفر الدولية، بما يوسع نطاق التجربة السياحية المصرية ولا يجعلها مرتبطة بمقصد واحد أو نمط سياحي بعينه.
الغرف الفندقية تلاحق الطلب المتزايد
ومع زيادة أعداد السائحين وارتفاع معدلات الإشغال، أصبح التوسع في الطاقة الفندقية ضرورة لمواكبة الطلب المتنامي.
وكشفت المؤشرات عن ارتفاع عدد الغرف الفندقية إلى نحو 240 ألف غرفة خلال عام 2025، مقابل نحو 228 ألف غرفة في 2024، بنمو بلغ 5.3%، في ظل توجه مستمر لزيادة الطاقة الاستيعابية وتطوير المنتجات السياحية.
كما تجاوزت معدلات إشغال الفنادق حاجز 80%، بالتزامن مع ارتفاع أعداد السائحين، وهو ما انعكس على إيرادات القطاع، التي بلغت نحو 8 مليارات دولار خلال النصف الأول من عام 2026.
وشهدت الفترة نفسها إضافة نحو 6 آلاف غرفة فندقية جديدة، إلى جانب جهود تطوير منطقة الأهرامات وتعزيز مقوماتها السياحية.
ولتعزيز قدرة القطاع على استيعاب الزيادة المتوقعة في الطلب، أطلقت الدولة مبادرة تمويلية بقيمة 50 مليار جنيه تستهدف زيادة الطاقة الاستيعابية للمنشآت الفندقية، وسط إقبال تجاوز المخصصات المتاحة بنحو 20%.
كنا فين.. وبقينا فين؟
في سنوات الجائحة، كانت الأولوية هي إنقاذ القطاع السياحي من التوقف الكامل والحفاظ على قدرته على البقاء، أما اليوم فقد تغيرت المعادلة بصورة واضحة.
السؤال لم يعد: كيف تتجاوز السياحة المصرية الأزمة؟ وإنما أصبح: كيف تستوعب مصر ملايين السائحين الجدد وتحول النمو القياسي إلى نمو مستدام؟
فمن 47.8 مليون ليلة سياحية خلال سنوات الأزمة إلى 179.3 مليون ليلة، ومن 11.7 مليون سائح في عام 2022 إلى نحو 19 مليونًا في 2025، ومن طائرات متوقفة وفنادق تنتظر عودة الزوار إلى ارتفاع رحلات الطيران العارض بنسبة 32%، تبدو المسافة بين مشهد الأمس وصورة اليوم شاسعة.
وتحكي الأرقام قصة قطاع لم يكتفِ باستعادة ما فقده خلال سنوات الأزمة، بل يتحرك نحو مرحلة جديدة من التوسع والاستثمار.
سائحون أكثر.. ليالٍ أطول.. إيرادات أكبر.. واستثمارات متنامية.. هكذا ترسم السياحة المصرية ملامح فصل جديد على خريطة السياحة العالمية، بينما تضع نصب أعينها هدف الوصول إلى 30 مليون سائح بحلول 2030.





