السيد خلاف يكتب : “كفر صقر”.. بين دولة الانضباط وحروب النفوذ !!

في كفر صقر، وحين يرفض “المقدم” أن يكون تابعًا، لا يدور الجدل حول مسؤول تنفيذي بقدر ما يدور حول نموذج كامل لإدارة الدولة على المستوى المحلي، والرجل منذ أن تولى مهمته الوطنية انتهج العقلية المؤسسية العسكرية المنضبطة والتي تحكمها القوانين ، في مدينة اعتادت أن تُدار وفق حسابات النفوذ الحزبي ومحاولات فرض السيطرة؟
والسؤال هو: هل تُدار المدن بعقلية مؤسسية منضبطة تحكمها القوانين، أم وفق حسابات النفوذ الحزبي والمالي للنواب ، وهل من المنطق أن يتدخل النائب أو الأحزاب في إدارة مجلس المدينة ، وتطويع القرار فيها لمصالحه الشخصية أو البزنس الخاص به، متناسين الفصل بين السلطات،وهو مبدأ ثابت في دستور البلاد ؟
الحقيقة والحق ،ومنذ أن تولّى العميد أركان حرب الدكتور أحمد المقدم رئاسة مجلس مدينة كفر صقر، شهد المركز نقلة نوعية واضحة لم تكن محل خلاف بين الأهالي. لم يكن ما حدث مجرد تحسينات شكلية أو حملات موسمية، بل إعادة ضبط شاملة لإيقاع العمل التنفيذي، هناك انضباط في الأداء، حضور ميداني مستمر، فهم دقيق لمتطلبات الوظيفة وحدودها، وتطبيق حازم للقانون دون تمييز.
هذه المعادلة كانت كفيلة بأن تجعل الرجل حديث الناس في الشارع، وأن يتحول إلى نموذج مختلف لرئيس مدينة يعمل بعقلية دولة، لا بعقلية موظف ينتظر التوجيهات.
الرجل القادم من المؤسسة العسكرية لم يتعامل مع منصبه باعتباره موقعًا إداريًا تقليديًا، بل باعتباره مهمة وطنية لها ضوابط واضحة،وفي هذه المدرسة لا تُدار الأمور بالمجاملات، ولا تُوزع الخدمات وفق القرب أو الولاء، بل وفق قواعد عامة تُطبّق على الجميع، ومن هنا بدأت الأزمة، لا بسبب ما فعله، بل بسبب ما رفض أن يفعله.
ما يجري في كفر صقر يتجاوز تفاصيل الخدمات إلى صراع إرادات بين حزبين بالمدينة و” وكلاهما سعى، بشكل أو بآخر، إلى التأثير على القرار التنفيذي داخل مجلس المدينة، ومحاولة توجيه الأداء بما يخدم الحضور السياسي، ونفوذه في الشارع، لكن المقدم اختار طريقًا مختلفًا، فرفض أن يكون جزءًا من هذه المعادلة، ورفض الانحياز لأي طرف، متمسكًا فقط بحدود وظيفته ومقتضياتها.
غير أن فهم المشهد لا يكتمل دون العودة إلى الخلفية السياسية للدائرة، فقد ظلت كفر صقر لسنوات طويلة بلا تمثيل حقيقي في مجلس النواب، نتيجة ضم مركز فاقوس إلى دائرتي كفر صقر وأولاد صقر في دائرة انتخابية واحدة، رغم أن الكتلة التصويتية لفاقوس تفوق بكثير الكتلة التصويتية للمركزين مجتمعين، هذا الواقع جعل فرص التمثيل النيابي لكفر صقر محدودة، وأضعف قدرتها على إيصال صوتها تحت قبة البرلمان.
الأكثر دلالة أن هذا التقسيم الانتخابي تم في فترات كان فيها نواب بارزون يمثلون الدائرة، مثل صلاح منصور، ومحمد علي يوسف، ومحمد حلمي، ومع ذلك لم نشهد تحركًا حقيقيًا للتصدي لفكرة الدمج أو إعادة النظر فيها بما يحقق عدالة التمثيل، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول أولويات العمل النيابي في تلك المرحلة.
وعلى مستوى الخدمات، فإن كثيرًا مما نُفذ خلال الدورات النيابية السابقة لم يكن نتاج جهد فردي لنائب بعينه، بل جاء في إطار خطط التنمية التي وضعتها الدولة ونفذتها أجهزتها المختلفة، إلا أن المشهد لم يخلُ من صراعات عبثية، حيث تباري اثنان من النواب في معارك حادة على وسائل التواصل الاجتماعي، كل منهما يسعى لنسب إنجازات الرصف والتطوير لنفسه، رغم أن هذه الأعمال تمت ووفق خطط الدولة المركزية.
و الأدهي أن أحدهم حاول القفز على إنجاز قدمته إلى أهلي في سنجها وبناء 17 منزلاً لمن تضررت بيوتهم من الأمطار،تحملته مؤسسة مصر الخير، بينما حاولت أمانة حزب الأغلبية القفزعلى جهود بذلتها لتأسيس مكتب بريد المنشية الجديدة ، بينما لا وجود ولا دور لهم خلال تواجدهم بمجلس النواب لتوفير سيارة إسعاف وأخرى للمطافي في سنجها ، لولا أن تحركت بهذا الاتجاه مع محافظ الشرقية المحترم الوزير حازم الأشموني، والذي وجه بالتنفيذ وقريبا تحط السيارتين هناك .
هذا التنازع لم يتوقف عند حدود “نسب الإنجاز”، بل امتد إلى صراع نفوذ على الأرض ومحاولات لإثبات الحضور بأي وسيلة، وهو ما أضعف الثقة لدى المواطنين، وخلق حالة من الالتباس بين ما هو دور حقيقي للنائب، وما هو مجرد توظيف سياسي للإنجازات.
في هذا السياق، يمكن فهم الضغوط التي يتعرض لها رئيس مجلس المدينة، فحين يأتي نموذج تنفيذي منضبط، يعمل وفق قواعد واضحة، ويرفض الدخول في لعبة التوازنات السياسية، يصبح بطبيعة الحال خارج حسابات من اعتادوا إدارة المشهد بطريقة مختلفة، وهنا تبدأ محاولات الاحتواء، أو التشويه إذا فشلت محاولات الاحتواء.
الحملات التي طالت الدكتور أحمد المقدم، من اتهامات بتبديد المال العام إلى حملات التشكيك، تبدو في جوهرها جزءًا من هذه المعركة، أكثر منها تقييمًا موضوعيًا للأداء. فالرجل لم يخرج عن حدود دوره، بل تمسك بها، وهو ما وضعه في مواجهة مباشرة مع ثقافة ترى في الموقع التنفيذي امتدادًا للنفوذ السياسي.
الحقيقة أن الأزمة تكشف خللًا أعمق في فهم الأدوار.
فالنائب، وفق الدستور، له دور تشريعي ورقابي: يسن القوانين، يراقب أداء الحكومة، ويدافع عن مصالح المواطنين من خلال أدواته البرلمانية.
أما الإدارة اليومية للمرافق والخدمات ،فهي مسؤولية الجهاز التنفيذي الذي يعمل وفق خطط الدولة وبرامجها، كما أن الخلط بين الدورين لا ينتج تنمية، بل صراعًا يعطلها.
ما يحدث اليوم في كفر صقر ليس مجرد خلاف محلي، بل اختبار حقيقي لفكرة الدولة نفسها: هل تنتصر مؤسساتها وقواعدها، أم تنتصر شبكات النفوذ التي تسعى إلى السيطرة على القرار؟
وفي قلب هذا المشهد يقف الدكتور أحمد المقدم، ثابتًا في موقعه، مدعومًا بثقة قطاع واسع من المواطنين الذين لمسوا التغيير على الأرض، وبين ضغوط السياسة ومتطلبات الإدارة، يبقى الرهان الحقيقي على استمرار هذا النموذج، وقدرته على الصمود في مواجهة محاولات الاحتواء.
في النهاية، لا يحسم هذا الصراع بيان أو اتهام، بل يحسمه الواقع، وما يراه المواطن في الشارع من إنجاز وانضباط هو الفيصل الحقيقي بين من يعمل للدولة، ومن يسعى لتطويعها بالتدخل أو كتائب إلكترونية تعمل لحساب هذا أو ذاك تدس الفتنة والتشويش على جهود الآخرين .
وأنا هنا لا انتقص من جهود الجميع فيما قدموا أو سعوا وإنما اتحدث لفض اشتباك لا مجال له ، وعلى الجميع التزام الدور المنوط به في أداء رسالته لخدمة أهالينا في القري ،وكلنا جنود في محراب هذا الوطن .
حفظ الله مصر




