القس بولا يكتب… القديس البابا أثناسيوس الرسولي

تعيد الكنيسة القبطية الأرثوذكسية يوم 7 بشنس الموافق حاليًا 15 مايو بعيد نياحة البابا أثناسيوس الرسولي، البابا العشرين على الكرسي المرقسي، أحد أبرز الشخصيات في تاريخ المسيحية، والذي لقّب بـ “حامي الإيمان” و“عمود الدين” و“الرسولي” نظرًا لدوره الجوهري في الدفاع عن العقيدة المسيحية وصياغة الإيمان المستقيم.
النشأة والبدايات:
الميلاد والاسم: وُلد القديس أثناسيوس حوالي عام 296م بمدينة دمنهور لعائلة وثنية، ثم اعتنق المسيحية مع والدته. ومعنى اسمه باليونانية “الخالد” أو “غير المائت”.
لقاء البابا ألكسندروس: تروي بعض الروايات أن البابا ألكسندروس شاهده وهو طفل يلعب مع أصدقائه لعبة يمثلون فيها طقس المعمودية، فأُعجب بفهمه وذكائه الروحي، وضمه إليه ليكون تلميذًا وسكرتيرًا خاصًا له.
التتلمذ الرهباني: تتلمذ على يد القديس العظيم الأنبا أنطونيوس، أبي الرهبان، وتعلّم منه حياة النسك والزهد، وكان أول بابا يرتدي الزي الرهباني، فجمع بين عمق اللاهوت وروحانية البرية.
مجمع نيقية ومواجهة الأريوسية:
الدور اللاهوتي: كان أثناسيوس لا يزال شماسًا عندما شارك في مجمع نيقية سنة 325م، وهناك برز دوره العظيم في مواجهة بدعة أريوس التي أنكرت لاهوت السيد المسيح، فدافع بقوة عن الإيمان الرسولي المستقيم.
قانون الإيمان: كان له الدور الأكبر في تثبيت نص قانون الإيمان المسيحي، خاصة العبارة الشهيرة: “مساوٍ للآب في الجوهر” التي صارت حجر الزاوية في العقيدة المسيحية الأرثوذكسية.
الجلوس على الكرسي المرقسي والاضطهاد:
البطريركية: جلس على الكرسي المرقسي سنة 326م بعد نياحة البابا ألكسندروس، وظل بطريركًا لمدة 47 عامًا قاد خلالها الكنيسة وسط صراعات شديدة واضطهادات متواصلة.
سلسلة النفي: بسبب تمسكه بالإيمان المستقيم ورفضه مساومات الأباطرة المؤيدين للأريوسية، تعرّض للنفي خمس مرات، وقضى نحو 17 عامًا خارج كرسيه، متنقلًا بين البراري والمنافي، لكنه ظل ثابتًا لا يتزعزع.
أثناسيوس ضد العالم: اشتهرت عنه العبارة الخالدة عندما قيل له: “العالم كله ضدك يا أثناسيوس” فأجاب: “وأنا ضد العالم” فصارت رمزًا للثبات في الحق مهما كانت الضغوط أو المقاومات.
إنجازاته وكتاباته:
مؤسس كنيسة إثيوبيا: قام برسم الأنبا سلامة “فرومنتيوس” أول أسقف لإثيوبيا، فوضع حجر الأساس للمسيحية هناك، وامتد تأثيره إلى الكنيسة الحبشية لقرون طويلة.
نقل الرهبنة إلى العالم: ساهمت كتاباته عن حياة الرهبان في نقل الفكر الرهباني المصري إلى العالم الغربي، فصار نموذج الرهبنة المصرية معروفًا في كل أنحاء العالم المسيحي.
مؤلفاته الشهيرة:
١- كتاب “تجسد الكلمة”: ويُعد من أهم المراجع اللاهوتية في شرح سر التجسد الإلهي.
٢- كتاب “حياة القديس أنطونيوس”: الذي نقل روح الرهبنة المصرية إلى الغرب وأثر في أجيال كثيرة.
٣- كتاب “ضد الوثنيين”: إلى جانب العديد من الرسائل والمقالات اللاهوتية التي دافعت عن الإيمان الأرثوذكسي.
نياحته:
تنيح القديس البابا أثناسيوس الرسولي بسلام في 7 بشنس سنة 89 للشهداء، الموافق سنة 373م، بعد حياة حافلة بالجهاد والتعب من أجل حفظ الإيمان المستقيم، تاركًا للكنيسة وديعة الإيمان التي تسلمتها الأجيال جيلاً بعد جيل.
لقد كان البابا أثناسيوس نموذجًا فريدًا للراعي الأمين الذي لم يخف من الاضطهاد ولا من الملوك ولا من النفي، لأنه أدرك أن الحق لا يتغير، وأن الإيمان الذي تسلمته الكنيسة هو كنز يجب الحفاظ عليه مهما كانت التضحيات.
بركة صلوات وشفاعة القديس البابا أثناسيوس الرسولي تكون معنا جميعًا، وبصلوات خليفته على كرسي مارمرقس البابا تواضروس الثاني وكل الآباء القديسين، وكل عام وأنتم بخير.



