مصر

الوجه الآخر للإخوان في أوروبا.. كيف أعادت الجماعة بناء نفوذها عبر الواجهات المدنية؟

 

كتبت:إيمان خالد خفاجي

بعيدًا عن الصورة التي سعت جماعة الإخوان إلى ترسيخها لسنوات باعتبارها حركة دعوية أو تيارًا سياسيًا معتدلًا، تكشف التحركات داخل عدد من الدول الأوروبية عن نمط مختلف وأكثر تعقيدًا في إدارة النفوذ، يعتمد على إعادة التموضع داخل المجتمعات الغربية عبر كيانات مدنية ودينية وحقوقية، تمنح الجماعة مساحات أوسع للحركة والتأثير تحت مظلات قانونية وإنسانية.

وفي أوروبا، لم يظهر حضور الجماعة في صورته التنظيمية التقليدية المعروفة، بل اتخذ أشكالًا أكثر مرونة، من خلال تأسيس أو دعم مراكز إسلامية، وجمعيات ثقافية، ومنظمات تُعنى بقضايا الحريات الدينية وحقوق الإنسان والاندماج المجتمعي. ورغم الطابع المدني المعلن لهذه الكيانات، تشير العديد من الدراسات والتقارير إلى وجود تقاطعات فكرية وخطابية بينها وبين المرجعيات الفكرية المرتبطة بالجماعة.

المراكز الإسلامية.. بوابة النفوذ الناعم

منذ عقود، أولت الجماعة اهتمامًا خاصًا بالمراكز الإسلامية في القارة الأوروبية، باعتبارها نقاط ارتكاز مهمة داخل الجاليات المسلمة. ولم يقتصر دور هذه المراكز في بعض الحالات على تقديم الخدمات الدينية أو تنظيم الأنشطة الاجتماعية، بل تحولت إلى منصات لبناء شبكات علاقات وتأثير اجتماعي وثقافي، تسمح بصياغة خطاب يرتبط بمفاهيم الهوية والانتماء والخصوصية الدينية.

ومع مرور الوقت، توسع هذا الحضور ليشمل شبكة أوسع من الجمعيات والمؤسسات التي تعمل بصورة قانونية وعلنية داخل عدد من الدول الأوروبية، وهو ما منح هذه الكيانات قدرة أكبر على الاستمرار والتوسع.

خطاب حقوقي بأبعاد سياسية

من أبرز الأدوات التي اعتمدت عليها الجماعة في تحركاتها الأوروبية، توظيف خطاب حقوقي وإنساني يقوم على الدفاع عن حرية المعتقد، وحقوق الأقليات، وحرية التعبير. هذا الخطاب منح عددًا من الكيانات المرتبطة فكريًا بالجماعة مساحة للحضور داخل النقاشات العامة والمؤسسات المدنية والإعلامية.

وبحسب قراءات بحثية متعددة، فإن هذا الخطاب لا ينفصل بالكامل عن الأهداف السياسية بعيدة المدى، بل يمثل أداة لبناء صورة مختلفة داخل المجتمعات الغربية، مغايرة للصورة المرتبطة بتاريخ الجماعة السياسي في الشرق الأوسط.

شبكة من الجمعيات والمنظمات

الوجود المرتبط بالإخوان في أوروبا لا يقوم على كيان تنظيمي واحد أو هيكل مباشر، بل يعتمد على شبكة متداخلة من الجمعيات والمؤسسات التي تعمل في مجالات متعددة تشمل التعليم، والثقافة، والإغاثة، والعمل الاجتماعي والدعوي.

هذا النموذج يمنح قدرًا كبيرًا من المرونة، ويتيح إعادة توزيع الأدوار والأنشطة وفقًا للبيئة القانونية والسياسية لكل دولة، كما يجعل تتبع الروابط التنظيمية المباشرة أكثر تعقيدًا في كثير من الحالات.

إعادة التموضع بعد التحولات الإقليمية

مع التحولات السياسية التي شهدتها المنطقة العربية خلال العقد الأخير، اتجهت الجماعة إلى تعزيز حضورها الخارجي، خاصة داخل أوروبا، عبر أدوات أقل صدامًا وأكثر قدرة على التكيف مع البيئة الغربية.

ولم يكن هذا التحول مجرد تغيير في الشكل، بل شمل آليات الحركة والأولويات، حيث أصبح التركيز منصبًا على بناء نفوذ طويل المدى داخل المجتمعات، بدلًا من الحضور السياسي المباشر أو الخطاب الحزبي التقليدي.

بين العمل المدني والامتداد الفكري

رغم الطابع المدني الظاهر لكثير من هذه الأنشطة، ترى دراسات وتحليلات متعددة أن هناك قواسم فكرية مشتركة بين بعض هذه الكيانات وبين الأدبيات التاريخية للجماعة، خاصة فيما يتعلق بمفاهيم التنظيم المجتمعي، والحفاظ على الهوية، والعمل الدعوي الممتد.

وهذا التداخل بين المدني والتنظيمي يجعل فهم هذا الحضور أكثر تعقيدًا، إذ لا يظهر في صورة تنظيم هرمي واضح، بل من خلال شبكات مرنة تتحرك داخل فضاء مدني مفتوح، مستفيدة من القوانين الأوروبية التي تضمن حرية التنظيم والعمل الأهلي.

حضور مستمر بأدوات متغيرة

يكشف المشهد الأوروبي عن قدرة الجماعة على التكيف مع البيئات الجديدة، عبر تغيير الأدوات وآليات العمل دون التخلي عن بناء النفوذ طويل المدى. فمن التنظيم السياسي المباشر إلى الشبكات المدنية والدينية والإعلامية، تبدو الاستراتيجية قائمة على إعادة تقديم المشروع بصيغ تتناسب مع السياق الأوروبي، مستفيدة من المساحات القانونية المفتوحة وفرص التأثير المجتمعي المتاحة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى